الأسباني خوان غويتيسيلو عاشقا للتراث العربي الإسلامي

السبت 2014/12/06
روائي هجر العالم ليقيم في مراكش ويحصد جائزة سرفانتس

حصل خوان غويتيسيلو على جائزة سرفانتس للآداب اللاتينية، للعام الحالي 2014، أرفع جوائز الأدب الناطق باللغة الأسبانية، لـ”قدراته الجلية على استخدام اللغة”، كما قال وزير التعليم والثقافة والرياضة الأسباني خوسيه إغانثيو ويرت، قيمة الجائزة المادية تبلغ 125 ألف يورو، ولكن قيمتها المعنوية لا تقدّر بثمن.

وكثيرون هم الكتّاب والشّعراء الغربيّون الذين عشقوا التراث العربي الإسلامي، وبه فتنوا، وتحت تأثيره كتبوا أعمالا أدبيّة عظيمة، لنتذكّر غوته والرومنطيقيين الألمان والفرنسيين، والإنجليز.

لنتذكر أيضا الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي اعتبر “ألف ليلة وليلة” من أفضل الكتب التي تأثر بها، كما أنه ألّف العديد من القصص التي نستشفّ من خلالها إعجابه الكبير بالتراث العربي الإسلامي، ومعرفته الدقيقة بأسراره وخفاياه، ولكن هناك أيضا الأسباني خوان غويتيسيلو الذي يقيم منذ سنوات طويلة في مراكش وطنجة مستوحيا من أجواء المغرب السحريّة نصوصا رائعة.


أندلس جديدة


ومثل صديقه الراحل جان جينيه، لم يتعلق غويتيسيلو بما هو غرائبي في المغرب، ولكنه يعتبر نفسه كائنا ضائعا، فاقدا للهوية، عثر على جذوره فيها. إنه الأندلسي الناهض من قرون من الصّمت، والغياب ولا طموح له غير أن يكتب قصّة تيهه الطويلة عبر الأمكنة والأزمنة.

وثمّة رجفة تهزّ جسد العربيّ حين يستمع في الليل الهادئ إلى الأغاني الأندلسيّة الحزينة التي تبدو وكأنها تعيد إلى ذاكرته أصوات العرب الفزعين أمام الموت عند سقوط غرناطة. نفس هذه الرجفة تستبدّ بنا حين نقرأ أعمال خوان غويتيسيلو الذي يحيي من خلال نصوصه ورواياته تراثا فقدناه، أو بالأحرى أهملناه لتصبح ثقافتنا بلا روح وبلا معنى.

لذا يمكن القول إن خوان غويتيسيلو لا يتعامل مع التراث العربي الإسلامي مثل مستشرق مسكون بنزعة الانتفاع من الموروث الشرقي، وإنما هو منغرس فيه انغراسا روحيّا وشهوانيّا.

وعندما نقرأ أعماله، نعثر فيها على تمازج مدهش وعجيب بين غونغورا، وابن حزم، وبين سرفانتس، والراوي الزنجي العجوز في ساحة”جامع الفنا” بمراكش. كما نعثر فيها على تمازج بين ألوان فالسكيز، وألوان الفجر على أبواب الصحراء المغربيّة.

في إحدى رواياته يتماهى غويتيسيلو مع العمدة دون خوليان الذي تروي الأساطير الأسبانية أنه هو الذي سلّم مفاتيح أسبانيا للمسلمين انتقاما من الملك رودريغ مغتصب ابنته الجميلة فارديناندا


تصدّع الهويات


لعل العراقي كاظم جهاد الذي قام بترجمة مختارات من أعماله صدرت عن دار “توبقال ” المغربية كان محقّا عندما عرّف خوان غويتيسيلو قائلا “إنه من فئة أولئك المبدعين “البدو” الذين يمثّلهم الإيرلندي جيمس جويس أفضل تمثيل”.

فغويتيسيلو نفى نفسه بنفسه بعد أن أحسّ أنه لن يكون بإمكانه العيش في بلاده في ذلك الجوّ الخانق سياسيّا وثقافيّا، والذي كانت تعيشه أسبانيا في عهد الجنرال فرانكو. ومبكّرا اكتشف خوان غويتيسيلو وهو في منفاه الاختياري ما يسمّيه بـ”تصدّع الهويّة الأسبانيّة” تماما مثلما اكتشف جويس وهو في مدينة ترياست الإيطالية في بداية منفاه “تصدّع الهويّة الإيرلنديّة”.

لذا كان من الطبيعي أن يندفع خوان غويتيسيلو عقب هذا الاكتشاف إلى “الغوص في طبقات التاريخ واللغة والأعراف”، وأن يبحث لدى “الآخر” عن أجوبة للأسئلة الحارقة التي تشغله.

ومثل ابن بطوطة الذي نقل لنا من خلال رحلته العجيبة أصوات ولغات شعوب بعيدة، حاول غويتيسيلو أن يحقّق الأمر ذاته. لذا نحن نعاين في نصوصه وفي رواياته أصواتا متعدّدة لمهاجرين عرب، ويهود، وأتراك، وهنود، وباكستانيين، وأفارقة سود، وغيرهم.

كما نعاين أصوات الرواة الشعبيين في مراكش، وأصوات التائهين في طنجة، والحالمين بعبور المضيق إلى العدوة الأخرى من المتوسط هروبا من واقع مرير، ومن فقر مهين. في الآن ذاته، تعكس أعمال خوان غويتيسيلو تلك “القبسة الدولوزيّة” (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز) التي تتحدث عن “اختيار الأطراف، ومجافاة المركز، والدخول في ضرب آخر من المغامرة. ضرب من التوحّد ،بدويّ في هذه المرّة”.


الحرب الأهلية وبرشلونة


في “بطاقة هويّة”، ينتهج خوان غويتيسيلو أسلوبا شعريا تتجلّى من خلاله تلك الواقعيّة السّحريّة التي وسمت أعمالا روائية مهمة مثل “مدينة الكلاب ” لفارغاس لوسا، و”المنطقة الأكثر شفافيّة” لكارلوس فيونتاس، و”مائة عام من العزلة” لغابريال غارسيا ماركيز.

يقول غويتيسيلو: 'علمني جان جينيه أن أتخلص شيئا فشيئا من غروري الأول، ومن وصوليّة سياسية، ومن الرغبة في الظهور في الحياة الأدبية لأعكف على شيء أكثر جوهرية وصعوبة يتمثل في امتلاك تجربة إبداعية واكتساب ذاتيتي الخاصة'

وبطل “بطاقة هويّة” شخص ينجو من سكتة قلبيّة، ويعود إلى منزل العائلة في مدينة برشلونة. وهناك يحاول إعادة تركيب ماضيه معتمدا على عناصر متعدّدة: ذكريات وهلوسات وأحلام ووثائق ووقائع تاريخيّة. وثمة فقرة في “بطاقة هويّة” عن مأساة قرية في ظلّ الحرب ألأهليّة الأسبانية بالتوازي مع “وصف بالغ التوتر ” لمصارعة الثيران.

والمكان الذي يختاره خوان غويتيسيلو لوصف مأساة الحرب المذكورة هو”حفازة شحيحة ومحروقة بحيث أن بقع الدم (إذا ما كان دم قد سال)، والعلامات، وآثار الرصاص (أنّى لك أن تعثر عليها بعد إثنين وعشرين عاما وسط هذا المكان الصخريّ العبثيّ)، أصبحت تشكّل جزءا لا يتجزّأ من البنية الجيولوجيّة للوضع، ذائبة في التربة نهائيّا، ملتحمة بها، فاقدة منذ ربع قرن من الزمان معناها ألأول ودلالتها الآثمة”، ويبدع خوان غويتيسيلو في وصف المأساة إلى درجة أننا نرتجف ونحن نقرأ تلك السطور التي تتحدث عن بشاعة الموت في العراء، فوق صخور صلدة، وتحت شمس حارقة.


العمدة دون خوليان


وفي رواية”دون خوليان”التي كتبها خوان غويتيسيلو في طنجة، نحن نلامس تجربة فنيّة أخرى . فالكاتب هنا “يجلس بمواجهة أسبانيا الرابضة على الضفة ألأخرى ليلقي بنا وسط تداعيات مهووسة، وتلاقيات عابرة”.

وفي روايته هذه يتماهى غويتيسيلو مع العمدة دون خوليان الذي تروي الأساطير الأسبانيّة أنه هو الذي سلّم مفاتيح أسبانيا للمسلمين انتقاما من الملك رودريغ مغتصب ابنته الجميلة فارديناندا.

وتبدو الرواية كما لو أنها دعوة من لدن غويتيسيلو لغزوعربيّ جديد يطهّر أسبانيا من الثقافة اللاهوتيّة القمعيّة التي أقامها الجنرال فرانكو. في هذه الرواية نقرأ القفرة التالية:”أيتها البلاد الجاحدة، البائسة، القذرة، لن أعود إليك أبدا”.

ثم يمضي غويتيسيلو على هذه الوتيرة لاعنا من خلال مونولوج بديع بذكر بمونولج السيدة يلوم في رائعة “أوليسيس” لجيمس جويس، تلك الأرض المدنّسة بديكتاتوريّة فرانكو، القصير القامة، والمهووس بالجريمة، والدم.

في الآن نفسه لا يغفل غويتيسيلو عن وصف أجواء طنجة، وأزقتها وأسواقها وعوالمها الليليّة: “لا تزال تجتاز شراع الفران المحاذي لزقاق لاسوميرا، والذي يتقاطع بعد ذلك مع شارع القصر، عبر حيّ الدعارة القديم حيث رافقتَ طارق ذات مرّة، ومارست الحبّ مع ريفيّة نافرة كإحدى عنزات جبال الأطلس، مزيّنة الجبين بالوشم،وأسنانها متوّجة بالذهب”.

غويتيسيلو لم يتعلق بما هو غرائبي في المغرب، ولكنه يعتبر نفسه كائنا ضائعا، فاقدا للهوية، عثر على جذوره فيها. إنه الأندلسي الناهض من قرون من الصمت

وفي نصّ رائع آخر، يصف خوان غويتيسيلو العلاقة الوطيدة والحميميّة التي تربطه بجان جينيه، ذلك “البدويّ المتوحّش” كاشفا لنا عن جوانب مجهولة من حياته، مبرزا مفاهيمه للصداقة والحب، والموت: “كانت الصحف تنقل أكثر فأكثر اقلاقا عن القمع الفرنسيّ في الجزائر. وقد فكّر جينيه في الاحتفال بطريقته الخاصّة بـ (يوم الموتى)،الأول من نوفمبر- تشرين الثاني، والذي كان على وشك الحلول، لذلك حرّر نصّا موجّها إلى الفرنسييّن الذين يزورون قبور أقاربهم، وكانت الفكرة أن يوزّع النصّ عند مدخل المقابر، أخذ جينيه يبحث عن نظّارته، وما أن عثر عليها حتى شرع يقرأ بصوته الذي لا يقلّد، صوت رخيم صارم، مترع بالحدّة والغضب الرّصين، نصّا حافلا بالعنف الشعريّ، وفيه يدعو زوّار المقابر إلى التفكير في موتى آخرين، شيوخ، وأطفال، ونساء، وقرويّين مهانين وأمييّن، يسقطون كلّ يوم صرعى الرصاص لجيشهم، جيش هؤلاء الزوّار أنفسهم، وشرطتهم”. ويعترف غويتيسيلو في نصّه المكتوب بلغة شعريّة عالية القيمة بأن جان جينيه هو صاحب “التأثير الناضج الوحيد عليه على المستوى ألأخلاقي”. ثمّ يضيف قائلا:” لقد علّمني-أي جينيه-أن أتخلّص شيئا فشيئا من غروري ألأوّل، ومن وصوليّة سياسيّة، ومن الرغبة في الظهور في الحياة الأدبيّة لأعكف على شيء أكثر جوهريّة وصعوبة يتمثل في امتلاك تجربة إبداعيّة خاصّة، واكتساب ذاتيّتي الخاصّة”.


وجها لوجه أمام الحضارة


وفي رواية “مقبرة” التي تتضمّن أيضا نقدا حادّا وعنيفا للحضارة الغربيّة، نصّ بعنوان :”قراءة لفضاء جامع الفنا”بمراكش، ذلك الفضاء العجيب الذي يؤمّه يوميّا السحرة والرواة الشعبيّون، وقارئات الكفّ، والشحاذون، والسماسرة، والعاطلون عن العمل، ومروّضو الثعابين، وباعة الحشيش والأعشاب الجبليّة. ومعلوم أن خوان غويتيسيلو كان أوّل من بادر بالكتابة إلى اليونسكو ، وإلى منظّمات عالميّة أخرى راجيا منها جعل “ساحة جامع الفنا” مَعْلما عالميّا تتحتّم المحافظة عليه. وبالفعل تمّت الاستجابة إلى طلبه. وفي النصّ المذكور نقرأ ما يلي: “ضربات الطبول تتسارع عند المغيب، حينما تضاعف الشمس النحاسيّة خلف “الكتبيّة” مفاتن المدينة، وتبرزها في ما يشبه لمعان بطاقة بريديّة: الخضرة الفريدة لنخلات الحديقة العموميّة، ونور المغرب الباذخ في واجهات البيوت ، والمباني الرسميّة. مناخ بالغ الصفاء من الأزرق الذي لا يفسد، والتجانسات البعيدة لجبل”ألأطلس” المطعّمة بأبيض نقيّ. ألق يسكر المرء، وينعشه، يلتحم بحمّى الرّقص والصّخب، ويهيئ الغريب للإحساس بشيء من الحريّة ضائعا في هذا البلاط الشاسع المقام من أجل متعة الحواسّ، وخدرها ذائبا في هذا الفراغ الخصب لهؤلاء البشر الغادين والرائحين في حالة من التأهّب والفرح”.

العراقي كاظم جهاد الذي قام بترجمة مختارات من أعماله صدرت عن دار (توبقال ) المغربية كان محقّا عندما عرّف خوان غويتيسيلو قائلا إنه من فئة أولئك المبدعين "البدو" الذين يمثّلهم الإيرلندي جيمس جويس أفضل تمثيل

مقبرة الخليفة

نفس هذا الدّفق الشعريّ نجده في النصّ الذي كتبه خوان غويتيسيلو عن “مدينة الأموات” في القاهرة. وهو يختم هذا النص على النّحو التالي:”إنه مشهد الغروب في مقبرة الخليفة البالغة الجاذبيّة بقوّة ألوانها، وبتعارضاتها الخفيّة. وتبدو الشمس الباهتة ألألوان، فاقدة دمها أمام حمرة المنابر، والقباب، والهواء يعبق بنورانيّة المحيط، الفارق بين الأحياء وألأموت المكدسين هؤلاء وأولئك في المدافن على نحو متوازن، والذين يحجبهم الظلام شيئا فشيئا لم يعد ليمثّل أكثر من مسألة وقت، وتفصيل جدّ بسيط”.

وكان خوان غويتيسيلو المولود في برشلونة عام 1951 قد اصطدم مبكرا بنظام الجنرال فرانكو. لذا انضمّ في سنوات الشباب إلى الحزب الشيوعي المحظور في ذلك الوقت. ثم لم يلبث أن ترك أسبانيا ليقيم في باريس انطلاقا من عام 1956. وهناك اختلط بالأوساط الفكرية والثقافية، مرتبطا بعلاقات وطيدة بكل من سارتر وسيمون دو بوفوار، ورولان بارت، ورايمون كينو وجان جينيه وغيرهم، وفي أواسط التسعينات من القرن الماضي،استقرّ نهائيّا في مدينة مراكش المغربيّة، وهو يعيش الآن متنقلا بينها وبين طنجة وأسبانيا والولايات المتحدة الأميركيّة.

14