"الأستاذ النبيه" والطائفية والثورة

الأربعاء 2015/08/12

لم يتردد الأستاذ نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، الغاصب للسلطة، في القول لأقرانه من الفرقاء السياسيين، وبصريح العبارة “لولا الطائفية لوجبت ثورة عارمة تقتلعنا جميعا”. في إشارة إلى تردي الأوضاع إلى حدود قصوى في مختلف المجالات من السياسية، وصولا إلى تراكم القمامة في شوارع العاصمة ومختلف المناطق في صيف لاهب وفي ظل تردي أوضاع التيار الكهربائي وتقطع المياه وتردٍ مخيف في الأوضاع المعيشية.

نعم، لولا الطائفية… الطائفية (والمذهبية) القلعة المنيعة التي تحاصر المواطنين ضمن جدران الشك والخوف من الآخر، وتدفع بهم إلى الانقسام والتشظي وإلى قبول حماية مصاصي دمائهم، وبالتالي، تتحصن بها أطراف الائتلاف المافيوي المسيطر والغاصب للسلطة، دون خوف من شارع ينتفض أو شعب يراقب ويحاسب.

لقد وصل الأمر بمن يفترض أنهم يحتلونا مواقع المسؤولية، والذين لم وليسوا إلا وكلاء الطبقة الحاكمة–الناهبة-التابعة، إلى ممارسة أقذع أشكال الاستخفاف بالناس، وأكثرها فجاجة، بصحتهم وبلقمة عيشهم وحتى بأرواحهم. فما من “مسؤول” يسأل عن مئات المواطنين الذين زجّوا في حرب حزب الله على الشعب السوري، ويعودون محملين في توابيت الموت اليومي. ما من “مسؤول”، سواء في صف حزب الله أو من يدعي مناوءته، يطالب بتفعيل القانون الجنائي بحق من تجرأ فانخرط في حرب خارج الحدود وبمسلحين مواطنين خاضعين كما يفترض للقوانين والأنظمة، ضد من يورطهم في مغامراته الدموية خارج البلاد، في مخالفة صريحة لجميع الأنظمة والقوانين النافذة.

لقد وصل الأمر بهؤلاء “المسؤولين” أن يمارسوا أوقح احتقار للبنانيين بدفن مدنهم وشوارعهم تحت أكوام القمامة، وحين انتفض البعض وتجرأ أحدهم فألقى كيسا من القمامة على سيارة أحد الوزراء، صارت للقوانين المرعية قيمة وصار من المفترض تفعيلها على الناس وصار للـ”دولة” هيبة ينبغي الحفاظ عليها، وما لم تأخذ الدولة حقه بالقانون، سيأخذه (ذاك الوزير) بيده.

لقد أَمِن أهل النظام على أنفسهم من شارع غاضب، فناموا على حرير الطائفية التي يذكيها حزب الله بتدخله في سوريا، ويذكيها ميشال عون بادعائه الحرص على مصالح المسيحيين الذين “لم يتبق لهم في الشرق إلا لبنان”. فكيف يتنازل الجنرال عن حصصه في السلطة فتتقوض حياة المسيحيين في الشرق؟ أيُعقل أن يبقى مسيحي واحد في الشرق إن لم يصل عون إلى الرئاسة الأولى؟ أو أصهاره إلى مراتب السلطة العليا في الحكومة وفي قيادة الجيش؟

لقد أمِن غاصبو السلطة من الشارع. ألم يتمكنوا، مجتمعين قبل أشهر من تطويق آخر وميض نقابي تجلى في السنوات الأخيرة بهيئة التنسيق النقابية التي تمكنت من اختراق أسوار حصونهم الطائفية، فعطلوا مطالبها وسُحبت اللقمة من أفواه الموظفين والعسكريين والأجراء إلى أفواه الحيتان؟

لقد أمِن غاصبو حقوق الناس من الناس، فباتوا يرونهم شوارع متناحرة على أوهام يعممها إعلامهم المضلِّل الماكر وأزلامهم المنتفعون، فمارسوا بحق المواطنين ما لم يسبق أن مورس وعلى رؤوس الأشهاد. فهذا الوزير استجمع كل ما أوتي من طاقات بلاغية للرد بالتحقير على انتقاد أحد الإعلاميين لزعيمه السياسي المبجل. وذاك الوزير يصدر تعميما لموظفي وزارته “ينظم” فيه الرشاوى ويعمل على حصحصتها، طبعا، بين الموظفين كلٌّ حسبَ موقعه. أبَعْد هذا الاستهتار بحقوق الناس وبالإدارة وبالمسؤولية العامة من استهتار؟ أبَعدَ هذا من احتقار؟

وفي ظل أزمة النظام البنيوية من فراغ مزمن وتعطيل شبه تام في مؤسسات الدولة، جمع أطراف النظام في سلة واحدة كل عوامل الثورة الشعبية في وجههم وبالأخص: تجويع المواطنين واحتقارهم. هذا ما فعلته الأنظمة التي سبق أن أسقطتها الثورات الشعبية.

وإذا كان حزب الله المستفيد الأكبر من الفراغ والتعطيل لهذه المؤسسات كونه ينفذ مشروعا خارجيا للهيمنة ويمارس ما تمارسه باقي القوى المافيوية في الداخل من فساد، وإذا كانت باقي أطراف النظام تتغاضى عن ذلك لأنها مستفيدة من خلال تشريع أبواب النهب والفساد أمامها على مصاريعها، فما جناه المواطنون نتيجة كل ذلك لم يطمئن الأستاذ النبيه، فقال كلمته.

فهل قارب السيل الزبى ليجرف كل ما بنته قوى النظام من سدود طائفية ومذهبية بين اللبنانيين ليباغتوها بوحدتهم، فتنهار؟

كاتب لبناني

9