الأسد أخطر من داعش

الأربعاء 2015/07/08

حين تشكل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية قبل أكثر من عام بقليل، لمقاتلة داعش، أعلن التحالف، وشدد في إعلانه، أن هدفه هو تنظيم الدولة الإسلامية وليس النظام السوري.

الحسابات الإستراتيجية التي حكمت تأطير المهمة على هذا النحو، وحصرها بمقاتلة داعش، تصدرها بلا شك الموقف الروسي المعارض لإسقاط نظام الأسد عامة، دع عنك إسقاطه عبر التدخل العسكري الأميركي. كما فرض مسار التفاوض النووي بين إيران والمجتمع الدولي نفسه على هذه الحسابات، ودفع باتجاه الإعلان المتكرر أن عمليات التحالف لا تستهدف النظام السوري.

لم يكن ينقص واشنطن، أصلا، الأسباب للنأي عن خيار حرب بحجم الحرب لإسقاط الأسد. غير أن التقاء كل هذه الدوافع وغيرها، لتحييد الأسد ونظامه، صب مياها كثيرة في طاحونة المنطق الدعائي الذي مفاده أن داعش هي الخطر الأساس، وأن محاربتها أولوية تسبق أولوية الخلاص من الأسد.

ثم ما لبث أن نما هذا المنطق باتجاه اعتبار الأسد، ضمنا أو تصريحا، أحد عناصر إستراتيجية هزيمة داعش، في تجاوز غريب لكل الوقائع الميدانية على الأرض والتي تفيد أن الأسد حيّد داعش طويلا عن حربه الضروس التي يخوضها ضد الشعب السوري والجيش الحر. من رحم هذا السياق ولدت فكرة روسية تفيد بضرورة التحالف بين تركيا والمملكة العربية السعودية والأردن وسوريا الأسد لهزيمة داعش! المفارقة أن هذا الاقتراح كان مثار استغراب سوري قبل أن يثير استغراب أحد، لحد وصف وزير خارجية الأسد وليد المعلم له “بالمعجزة” لو حصل. وهو كذلك فعلا.

الحقيقة أن المنطق الداخلي لهذه الفكرة يقوم على كذبة كبيرة نجح النظام السوري ومالكوه، الروسي والإيراني، في تعميمها. وهي تفيد بتفوق خطر داعش على خطر النظام السوري، على سوريا أولا، وعلى تماسك الأنسجة الوطنية في جوار سوريا، كما على الأمن الإقليمي والدولي. وتحضّ هذه الكذبة، بالتالي، على ترتيب أولويات المواجهة بتقديم مهمة هزيمة داعش على غيرها من المهمات.

الحقيقة أن بديهية تقدم خطر داعش على خطر الأسد، ليست بديهية كما يبدو للوهلة الأولى، وهنا مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الإعلام العربي وجهود “اللوبيينغ” السياسي والإعلامي في عواصم القرار.

لا مجال للمقارنة بين عدد ضحايا جرائم نظام الأسد، وبين من قضوا على يد تنظيم داعش. التفوق في المجازر من نصيب الأسد ونظامه وميليشياته السورية وغير السورية بلا منازع وبفوارق خيالية. يكفي أن نتذكر أن الأسد، في القرن الواحد والعشرين، استخدم الأسلحة الكيماوية ضد مدنيين عزل، تابع العالم موتهم عبر الشاشات.

كما لا مجال للمقارنة بين النتائج التدميرية لسياسات وقرارات نظام الأسد، وبين النتائج التدميرية لداعش التي تحظى بغزارة تغطية إعلامية تفوق بكثير ما تحظى به جرائم الأسد. والواقع أنه لا تتفوق جهة على نظام الأسد في تدمير المدن، وما يعقبها عادة من ترييف لها وضرب لقيم نسيجها المديني وارتدادها لمنظومة قيم وهويات فرعية تفيد في تغذية الحروب الأهلية وحروب الزواريب. هذه سيرة حافلة، من التدمير المنظم الذي قاده نظام حافظ الأسد لمدينة حماه، إلى تدمير بيروت وزحلة وطرابلس في لبنان، مرورا ببغداد، وصولا إلى كل الحواضر المدينية السورية اليوم.

المضحك أن الأخبار عن الاقتراح الروسي “المعجزة”، والذي يدعو إلى تحالف دول جوار سوريا لمواجهة عصابة داعش، يحصل في وقت تحقق فيه الميليشيات الكردية، مدعومة بغطاء جوي أميركي، نتائج ميدانية مبهرة في مواجهة التنظيم، ما يعني أن داعش مقدور على هزيمتها إذا ما توفرت النية الدولية والمقاتلون على الأرض. وهنا سؤالان لا يخلوان من الخبث؛ لماذا لم تدعم واشنطن الجيش الحر بمثل ما دعمت المقاتلين الأكراد في مواجهة داعش؟ ولماذا لم تغرقنا واشنطن بالاعتراضات على تسليح الأكراد كما أغرقتنا بالاعتراضات على تسليح الفصائل المسلحة السورية غير الكردية؟ أو، على سبيل الدقة، لماذا بدت ملاحظاتها وهواجسها خفية وخفيضة بالمقارنة مع سلوكها حيال العرب؟

الاقتراح الروسي، الذي لن يجد من يتبناه، والذي أبدت واشنطن حياله اعتراضا واضحاً، (حفظا لماء وجه رئيسها الذي يكفيه مهانة أنه سبق وتراجع عن ضرب الأسد) هو ابن هذه الكذبة، التي ينبغي أن تصب جهود حقيقية لتفكيكها في الإعلام وفي الخطاب السياسي والدبلوماسي. وهي تتسق مع إستراتيجية بيت الأسد التاريخية. يشعلون الحرائق ثم يبيعونك المياه لإطفائها.

نظام الأسد أخطر من داعش. داعش نفسها هي واحدة من خطر من المخاطر التي يولدها النظام وبقاؤه. يكفي أن نعود إلى أرشيف الثورة السورية، إلى أشرطة اليوتيوب، لنتذكر أجمل ثورات العرب وأكثرها شبها بنا. السوريون الذين خرجوا ضد أعتى طغاة الأرض، يشبهوننا ويريدون ما نريده لأنفسنا، وقد خذلهم العالم، كل العالم، وداعش هي وليدة هذا الخذلان.

سوريا تستحق أن نعترف أمام جراحها أن الأسد خطير، وأنه أخطر ما واجهته وستواجهه. الأسد ليس شريكا في مواجهة داعش. هو الأصل وهو الجذع الذي ينبغي أن تجزه مناشير العرب قبل فوات الأوان.

إعلامي لبناني

9