الأسد: الدوحة مهدت للصراع في سوريا ثم جاء دور الرياض للتمويل

الثلاثاء 2013/08/27
الأسد: أميركا ستفشل إذا تدخلت عسكريا

دمشق- في قمّة الجدل حول استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي، أجرت صحيفة روسية حوارا مع الرئيس السوري بشّار الأسد. تركّز بالخصوص حول محاولة الأسد إنكار كلّ البراهين والدلائل التي تبيّن تعرّض حوالي 1300 سوري، أغلبهم من الأطفال، للقصف الكيميائي.

كما أرسل الرئيس السوري من خلال حواره مع الصحيفة الروسية تحذيرات من مغبّة التدخل العسكري الأميركي مهدّدا بأن مثل هذه الخطوة ستقود المنطقة إلى الأسوأ.

استخدام الكيمائي

يأتي تحذير الأسد فيما يخوض الجيش السوري حربا شرسة ضد مسلحي المعارضة وفي وقت تدرس فيه واشنطن ولندن الخيارات العسكرية للرد على الهجوم المفترض بأسلحة كيميائية قرب دمشق.

وقال الأسد للصحيفة، في المقابلة التي أجريت معه في دمشق، عندما سئل عما سيحدث إذا قررت واشنطن ضرب سوريا إن «الإخفاق ينتظر الولايات المتحدة، مثلما حدث في كل الحروب السابقة التي شنتها ابتداء بفيتنام وحتى الوقت الراهن».

واعتبر الرئيس السوري أن الاتهامات باستعمال الكيمائي اتهامات مسيسة تأتي ردّا على ما وصفه بـ»التقدّم الذي حققه الجيش في مواجهة الإرهابيين»، في إشارة إلى مقاتلي المعارضة.

ووصف الأسد الاتهامات باستخدام أسلحة كيميائية بأنها «محض هراء» و»غير موثقة» وقال إن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا سعت منذ فترة طويلة إلى تبرير التدخل العسكري في سوريا. وجاء في حديث الأسد أن «ما قامت به أميركا والغرب وبعض الدول الأخرى منذ يومين، كان استخفافا بالعقول وقلة احترام للرأي العام لديها.. ليست هناك جهة في العالم، فما بالك بدولة عظمى تطلق اتهاما ثم تقوم بجمع الأدلة عليه. الذي حصل أنهم أطلقوا التهمة يوم الأربعاء وبعدها بيومين أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستقوم بجمع الأدلة. ثم أي أدلة ستقوم الإدارة الأميركية بجمعها عن بعد. أما بالنسبة إلى المنطقة التي يتحدثون عنها الآن بأنها تحت سيطرة المسلحين وبأن الجيش السوري استعمل فيها سلاحا كيميائيا، فهي منطقة تماس وتداخل مع الجيش السوري، فكيف يمكن لأي دولة أن تضرب مكانا بسلاح كيمائي أو بأي سلاح دمار شامل في منطقة تقع على تماس مع قواتها، هذا يخالف العقل والمنطق، لذلك فإن هذه الاتهامات هي اتهامات مسيسة بالمطلق وتأتي على خلفية التقدم الذي حققه الجيش في مواجهة الإرهابيين.

وبالنسبة إلى لجنة التحقيق الدولية فنحن أول من طالب بلجنة تحقيق عندما قام الإرهابيون بإطلاق صاروخ فيه غازات سامة على ريف حلب شمال سوريا.. وخاصة أن التصريحات الأميركية والغربية قبل تلك الحادثة وعلى مدى أشهر، كانت تتحدث عن احتمال استخدام أسلحة كيميائية من قبل الدولة. وهذا ما جعلنا نشك بأن لديهم معلومات حول نية الإرهابيين باستخدام هذا السلاح لاتهام الدولة السورية وبعد التنسيق مع روسيا حول ما حصل، قررنا أن نطلب لجنة للتحقيق في الموضوع، ولكن أميركا وفرنسا وبريطانيا بشكل أساسي أرادت استخدام القضية ضد سوريا عبر التحقيق بادعاءات وليس بحقائق كما يفعلون الآن.. بينما ما طالبنا به هو التحقيق بحقائق على الأرض وليس بشائعات أو ادعاءات».

وأضاف الأسد: «… الأمر لا يتعلق فقط بالتحقيق بل بنتائجه التي ستعرض على الأمم المتحدة، وهنا أنت تعلم أنه يمكن تفسير النتائج حسب مزاج الدول الكبرى، لذلك ما ننتظره الآن بعد انتهاء التحقيق هو وجود موضوعية في تفسير هذه النتائج، وبالطبع نتوقع من روسيا أن تمنع أي تفسير يهدف إلى خدمة السياسات الأميركية والغربية. المهم دائما هو التفريق بين الاتهامات الغربية المبنية أساسا على ادعاءات وإشاعات وأقاويل وبين ما طالبنا نحن به من تحقيق مبني على أدلة ملموسة بينة».

الحرب ضد الإرهاب

تكرّر في حديث بشّار الأسد، لصحيفة ازفستيا الروسية، بشكل ملحوظ استعمال مصطلحات من قبيل الإرهاب والإرهابيين في إشارة إلى المعارضة بمختلف أصنافها في سوريا. وسعى الرئيس السوري إلى توصيف الصراع الذي اندلع بثورة شعبية وسلمية قبل حوالي عامين قبل أن تتطور إلى حرب عسكرية، إلى حرب يخوضها النظام السوري ضدّ عناصر «إرهابية» تستهدف أمن بلاده.

وجاء في حوار الأسد، الذي كان أشبه برسالة تحذير إلى المعارضة وحلفائها: «إن رسالة سوريا للعالم أنه إذا كان هناك من يحلم بأن سوريا ستكون دمية غربية فهذا حلم لن يتحقق.. نحن دولة مستقلة سنحارب الإرهاب وسنبني علاقاتنا مع الدول التي نريدها بكل حرية وبما يحقق مصالح الشعب السوري». وأضاف الأسد في حديثه عمّا وصفهم بـ»الإرهابيين والتكفيريين»: «من نواجههم الآن هم بنسبتهم الكبرى تكفيريون يحملون فكر القاعدة وقلة معهم من الخارجين عن القانون وفي أي مكان يضرب الإرهاب سنقوم بضربه. القضية بالنسبة إلينا ليست مناطق تحت سيطرة الإرهابيين ومناطق تحت سيطرة الجيش فما نواجهه ليس عدوا يحتل أرضنا لنفكر بهذه الطريقة. ما نواجهه الآن إرهابيون يدخلون مناطق أو قرى أو أطراف مدن يعيثون فيها فسادا وتخريبا.. يقتلون المدنيين الأبرياء الرافضين لهم ولما يفعلون ويدمرون البنية التحتية… يتحرك الجيش والقوى الأمنية والشرطة لإخراجهم منها والقضاء عليهم.. فينتقل ما تبقى منهم إلى مناطق أخرى وهكذا.. وبالتالي فإن جوهر ما نقوم به هو القضاء على الإرهابيين.. المشكلة التي تواجهنا وهي التي سببت استمرار هذه الأحداث، هي مجيء أعداد كبيرة من الإرهابيين من خارج سوريا.. عشرات الآلاف وأكثر.. وإمدادهم بالمال والسلاح مستمر، وضربنا لهم أيضا مستمر، وأنا أؤكد لك أنه لا يوجد مكان ذهب إليه الجيش إلا وتمكن من دخوله والقضاء على الإرهاب فيه».

واتهم الأسد المملكة العربية السعودية بدعم ما سماهم بـ»الإرهابيين والتكفيريين» إيديولوجيا وماليا. وردّا على سؤال حول المقاتلين الإسلاميين المتشددين التكفيريين الذين يدخلون إلى سوريا وهل هم مجموعات متفرقة تقاتل هنا وهناك، أم هم جزء من قوة عظمى تحاول أن تنهي الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بما فيه سوريا، قال بشّار الأسد: الاثنان معا بمعنى أن ما يجمعهم هو الفكر ومصادر التمويل.. ففكرهم تكفيري متشدد يتبعون بآرائهم شخصيات محددة كالظواهري مثلا، ومصادر تمويلهم أيضا متشابهة ومتطابقة في بعض الأحيان.

ما يفرقهم هو عملهم على الأرض.. فهم مجموعات متفرقة ومشتتة كل مجموعة لها قيادة مستقلة وأوامر مستقلة.. لكن أنت تعلم جيدا أن من يدفع هو من يمسك في النهاية دفة القيادة لهم، بمعنى أنه من السهل توجيههم من الدول الداعمة لهم فكريا وماليا كالسعودية مثلا.. لكن في النهاية حتى وإن كانوا مشتتين متفرقين على الأرض فإن الدول الداعمة لهم فكريا تدفع الأموال وتسلح وأيضا توجّه».

ورقة الإرهاب

يواصل الرئيس السوري توجيه تحذيراته عبر الصحيفة الروسية، إلى كثير من السياسيين الذين لا يعرفون التاريخ، حسب وصفه، والذين لم يقرؤوا «أن جميع حروب السياسيين الذين كانوا قبلهم فشلت منذ حرب فيتنام حتى اليوم». «نقطة أخرى أوجهها لهؤلاء السياسيين.. وهي أن الإرهاب ليس ورقة رابحة تضعها في جيبك تخرجها متى وأينما تريد وتعيدها مرة أخرى.. الإرهاب كالعقرب، يلدغك في أي لحظة، وبالتالي لا يمكن لك أن تكون مع الإرهاب في سوريا وضده في مالي مثلا.. لا يمكن لك أن تدعم الإرهاب في الشيشان وتحاربه في أفغانستان».

واستطرد موضّحا: «لكي أكون دقيقا جدا، أنا هنا بالطبع أتحدث عن الغرب ولا أتحدث عن كل قادة العالم.. أتحدث عن بعض القادة الغربيين الذين «إن أرادوا أن تتحقق مصالحهم» فيجب عليهم الاستماع إلى شعوب المنطقة وشعوبهم، لا أن يبحثوا عن قادة «إمعات» ظنا منهم أن هؤلاء سيحققون لهم مصالحهم.. عندها.. ربما.. تتحول السياسة الغربية إلى اتجاه أكثر واقعية.. وإن كنت مصرا على أن أعطيك رسالة سوريا للعالم.. فأقول إنه إذا كان هناك من يحلم بأن سوريا ستكون دمية غربية، فهذا حلم لن يتحقق».

صدرت تصريحات الأسد في الوقت الذي تكثّفت فيه التصريحات الغربية حول تحضير رد دولي على الهجوم المفترض الذي قام به النظام السوري بالأسلحة الكيميائية. وصدر الحوار أيضا بالتزامن مع انعقاد اجتماع، في الأردن، يضم رؤساء هيئات الأركان لجيوش عدة دول منها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لبحث أمن المنطقة وتداعيات النزاع السوري.

وجاء ردّ الرئيس السوري على هذه التصريحات والاجتماعات الدولية التي تناقش إمكانية توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا، بنفس الطريقة التي تصرفت بها أميركا مع العراق، قائلا إن: «هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها الخيار العسكري ضد سوريا، فمنذ البدايات سعت الولايات المتحدة الأميركية ومعها فرنسا وبريطانيا إلى التدخل العسكري، لسوء حظهم سارت الأمور في اتجاه آخر، وجاء التوازن في مجلس الأمن في عكس مصلحتهم، وحاولوا مساومة روسيا والصين على موقفهما ولم يتمكنوا من ذلك».

وحاول الأسد التدليل على حديثه بخصوص فشل التدخل الأميركي بما تعيشه مصر وليبيا، مشيرا إلى أن سياسة أميركا وحلفائها فشلت هناك مثلما ستفشل في سوريا، مع توضيح أن «الوضع في ليبيا يختلف عن مصر ويختلف عن تونس، وسوريا تختلف عن كل تلك الدول.. فلكل دولة خصوصية تتميز بها عن الأخرى، ولم يعد من المقنع تطبيق السيناريو نفسه في كل الدول».

وشدّد الرئيس السوري على اعتبار أن ما يحدث في سوريا «ليس ثورة شعبية ولا مطالبات بالإصلاح بل إرهابا يحاول ضرب الدولة السورية».

في سياق الحديث عن الدعم الروسي لسوريا، لفت الأسد إلى احتمال أن يقوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة إلى سوريا خلال الفترة المقبلة، مؤكدا أن هدف الولايات المتحدة هو تقليص دور روسيا في الساحة الدولية.

الدعم الروسي

كما أوضح الأسد أن لروسيا «مصالح في المنطقة من حقّها أن تحميها وتدافع عنها». «… وهذه المصالح ليست كما يقول بعض المحللين مرفأ في طرطوس مثلا، بل هناك ما هو أعمق وأهم بكثير من ذلك، فالإرهاب عندما يضرب في سوريا سيؤثر على استقرار الشرق الأوسط، وهذا الاضطراب سيؤثر بدوره على روسيا والقيادة الروسية تعي ذلك تماما».

وتدعم روسيا إلى جانب الصين وإيران النظام السوري. وفيما تلعب موسكو وبيكين دورا محوريا في قرار مجلس الأمن، تلعب طهران دورا أساسيا على المستوى العسكري داخل سوريا حيث يحارب أفراد من الحرس الثوري الإيراني وعناصر من حزب الله اللبناني، الموالي لإيران، إلى جانب قوّات الأسد.

وأدلت موسكو بدلوها في ملف الأسلحة الكيميائية والتدخل العسكري موضّحة في بيان صدر عن وزارة الخارجية أن «روسيا أبدت قلقها لواشنطن من احتمال رد الولايات المتحدة عسكريا على هجوم مزعوم بالأسلحة الكيمائية وحثت على ضبط النفس».

وأضافت الوزارة في إشارة إلى محادثة هاتفية بين وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري إن موسكو حثت أيضا واشنطن على الإحجام عن السقوط فريسة «لاستفزازات».

عن موقف تركيا التي كانت، في وقت سابق صديقا مقرّبا، فوصفها الأسد، إلى جانب قطر بـ «الدول الداعمة للإرهاب»، وقال في هذا السياق: كانت قطر وتركيا في السنة الأولى والثانية، قطر تمول وتركيا تدرب وتؤمن الممرات للإرهابيين، الآن حلت السعودية محل قطر في موضوع التمويل.. ولأكون واضحا وشفافا معك.. فالسعودية دولة لا تمتلك إلا الأموال... إذا فالسعودية تنفذ المخططات بقدر ما لديها من مال».

ووجّه الأسد انتقادا حادا إلى صديق الماضي وعدو الحاضر رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، متّهما إياه بأنه شوّه سمعة بلاده، فـ»من المؤسف أن تقاد دولة كتركيا ببضعة دولارات، من المؤسف أن دولة كبيرة بموقع استراتيجي ومجتمع منفتح، تقودها دولة خليجية. كل ذلك بالطبع يتحمل مسؤوليته رئيس الحكومة التركية وليس الشعب التركي.

7