الأسد المستفيد من الهجوم التركي يفتح الباب أمام التقارب مع أنقرة

الرئيس السوري يكثف ظهوره وتصريحاته في إشارة إلى أنه بدأ يستعيد نفوذه في الملف السوري بدعم من روسيا.
السبت 2019/11/02
مكاسب جديدة بفضل روسيا

دمشق - بعث الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة له مع التلفزيون الرسمي بإشارات عن تغيير في موقفه من أنقرة خاصة أن دمشق باتت المستفيد الأبرز من المغامرة العسكرية التركية شمال سوريا، حيث آلت المناطق التي أجبرت الوحدات الكردية على إخلائها إلى سيطرة القوات الحكومية السورية بالتنسيق مع القوات الروسية.

واعتبر الرئيس السوري في المقابلة التلفزيونية أنه يجب الحرص على ألا تتحول تركيا إلى دولة “عدو” لسوريا وذلك بعد عشرين يوما على هجوم جديد شنته أنقرة في شمال شرق البلاد.

فابريس بالانش: الأسد يستعيد ثلث أراضي دولته دون أن يطلق رصاصة واحدة
فابريس بالانش: الأسد يستعيد ثلث أراضي دولته دون أن يطلق رصاصة واحدة

ويرى مراقبون أن تصريحات الرئيس السوري، التي جاءت مناقضة لتصريحات سابقة كان هاجم فيها نظيره التركي رجب طيب أردوغان ووصفه باللص، تعبر عن استدارة ولو بشكل جزئي وهادئ وأن مردها السعي إلى مسايرة الموقف الروسي، ورغبة موسكو في عدم إرباك تحالفها مع تركيا بسبب هذا التدخل الذي صب في خدمة الأجندة الروسية.

وأشار المراقبون إلى أن الهجوم التركي كان يحوز على موافقة ضمنية من روسيا لما فيه من ضغوط على واشنطن، ونجحت الخطة الروسية خاصة بعد أن اضطرت إدارة ترامب إلى الخروج وبشكل مفاجئ من مواقعها شمالي شرق سوريا، وأخلت الطريق أمام انتشار القوات الروسية على الأرض كما مكنت موسكو من أن تكون اللاعب الأول والرئيسي في الملف السوري.

وكثف الرئيس السوري في الأيام الأخيرة من ظهوره وتصريحاته في إشارة واضحة إلى أنه بدأ يستعيد نفوذه في الملف السوري بدعم ورعاية من روسيا. وكانت زيارته المفاجئة للقوات السورية على جبهة إدلب بالتزامن مع قمة بوتين وأردوغان التي انعقدت في سوتشي الروسية، تؤشر إلى وجود تفاهم تركي روسي يقر بعودة الأراضي السورية إلى النظام.

وفي إشارة واضحة على وجود اختراق في العلاقات المتوترة بين البلدين، قامت تركيا بتسليم 18 جنديا سوريا كانت قواتها أو الميليشيات الحليفة قد أسرتهم في الهجوم الأخير. وإن لم يكن التسليم مباشرا، وتم عن طريق القوات الروسية، إلا أنه يوحي وبشكل واضح بأن هناك مساعي لتبريد الخلاف بين البلدين، وأن روسيا لعبت في ذلك دورا مهما.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية أن أنقرة أطلقت الخميس سراح 18 من جنود النظام السوري كانت احتجزتهم في وقت سابق في شمال شرق سوريا.

وقالت الوزارة التركية على تويتر “إن عناصر النظام الـ18 الذين تم ضبطهم الثلاثاء، أثناء عمليات التمشيط والاستطلاع وبسط الأمن في جنوب شرق مدينة رأس العين، تمت إعادتهم بعد التنسيق مع الجانب الروسي”.

وكان وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قال في وقت سابق الخميس إن بلاده تجري محادثات مع روسيا بشأن عودة 18 شخصا تبيّن أنهم عناصر في قوات النظام السوري، إلى سوريا.

ورغم أن القوات السورية لم يكن لها دور عسكري واضح في تغيير الوضع لفائدتها، إلا أن دمشق نجحت وبفضل الدور الروسي ليس فقط في تحويل “مكاسب” الهجوم التركي لفائدتها، ولكن أيضا استطاعت أن تروض الأكراد الذين لجأوا إليها خوفا من البطش التركي، وهو ما سيمكنها من الضغط عليهم للتخلي عن فكرة الانفصال كما التخلي عن الأسلحة الثقيلة حتى لا يتحولوا إلى دولة داخل الدولة في الوقت الذي ستعمل هي على إدماجهم في الدولة مجددا وأيضا توظيفهم كرأس حربة في أي معارك مستقبلية خاصة مع تركيا.

وبدأت قوات تركية وروسية في تسيير أول دوريات مشتركة في شمال شرق سوريا الجمعة بموجب اتفاق بين البلدين أجبر المقاتلين الأكراد على الانسحاب من المنطقة القريبة من الحدود السورية التركية.

وبدأت تركيا وقوات المعارضة السورية المتحالفة معها هجوما عبر الحدود في التاسع من أكتوبر ضد وحدات حماية الشعب الكردية وسيطروا على منطقة طولها 120 كيلومترا على الحدود.

وفي الأسبوع الماضي اتفقت موسكو وأنقرة على إبعاد المقاتلين الأكراد إلى عمق لا يقل عن 30 كيلومترا جنوبي الحدود التركية وأبلغت روسيا تركيا أن وحدات حماية الشعب غادرت الشريط.

وذكرت وزارة الدفاع التركية على تويتر أن وحدات برية وجوية تشارك في الدورية في بلدة الدرباسية السورية على الحدود. وعرضت الوزارة صورا لأربع مدرعات وجنود يدرسون خارطة.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن الدوريات المشتركة مع الشرطة العسكرية الروسية بطول 110 كيلومترات تشمل تسع مدرعات وبدأت في الدرباسية وتتجه غربا على طول الحدود.

وكانت قوات سوريا الديمقراطية أعربت بداية عن تحفظاتها إزاء بعض ما جاء في الاتفاق، لكنها أعلنت في وقت لاحق بدء سحب قواتها من “كامل المنطقة الحدودية”، ولا تزال تحتفظ بتواجدها في مواقع عدة خصوصا شرق مدينة القامشلي.

وأمام الهجوم التركي ضدهم، وبعدما شعروا أن واشنطن تركتهم وحدهم في مواجهة تركيا، عدوهم التاريخي، فتح الأكراد قنوات اتصال مع دمشق وحليفتها روسيا، تمّ بموجبها انتشار لقوات النظام في نقاط حدودية عدة، قبل أن تبدأ موسكو بتسيير دوريات في المنطقة.

قوات تركية وروسية في دوريات مشتركة بشمال شرق سوريا
قوات تركية وروسية في دوريات مشتركة بشمال شرق سوريا

أما الولايات المتحدة فيبدو أنها عادت عن قرارها بالانسحاب الكامل من مناطق سيطرة الأكراد، لتؤكد دعمها لهم وتبدأ بإرسال تعزيزات جديدة بهدف “حماية حقول النفط”، التي تسيطر قوات سوريا الديمقراطية على أبرزها في محافظة دير الزور (شرق) بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية.

وأوضح مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن لوكالة الصحافة الفرنسية أن القوات الأميركية تريد أن تحافظ على تواجدها في الجهة الشرقية من المنطقة الحدودية.

وقال “يريد الأميركيون أن يمنعوا روسيا وقوات النظام من الانتشار في المنطقة الواقعة شرق مدينة القامشلي”.

وقال المتحدث باسم التحالف الدولي مايك كايغينز إن التحالف يواصل انسحابه من شمال شرق سوريا و”يعيد نشر بعض قواته في منطقة دير الزور“.

واعتبر فابريس بالانش الخبير في الشأن السوري في جامعة ليون بفرنسا أن هذا الاتفاق يخدم خصوصا الجيش السوري.

وأوضح أن “الجيش السوري يستعيد بذلك السيطرة على كامل شمال شرق سوريا باستثناء منطقة بين رأس العين وتل أبيض تخضع للاحتلال التركي” مضيفا “إن الأسد يستعيد ثلث أراضي دولته من دون أن يطلق رصاصة واحدة”.

وأضاف المحلل الفرنسي “أن الرابحين هم روسيا وإيران وتركيا والحكومة السورية. والخاسرون هم الأكراد الذين خسروا الحكم الذاتي في هذه المنطقة، والولايات المتحدة التي ضربت مصداقيتها أمام شركائها المحليين والدوليين، والاتحاد الأوروبي الذي سيتعين عليه إدارة ملف الجهاديين العائدين أو المعتقلين لدى دمشق”.

1