الأسد الملك يدهش الكبار والصغار ويحقق المعادلة المستحيلة

مهما توالت النسخ المعدلة والمطورة، فإن "الأسد الملك" في نسخته الكرتونية الأولى، يظل أيقونة جيل كامل من متابعي إنتاج شركة والت ديزني.
السبت 2019/08/03
حكاية كل الأزمان

كيف لامرئ شاهد فيلم “الأسد الملك” أن ينسى نداء الشبل “سيمبا” الصغير وهو يتضرع، ويضرب على كتف أبيه “موفاسا”، الأسد الذي قتلته جحافل الجاموس الوحشي إثر مؤامرة من شقيقه “سكار” “بابا، بابا استيقظ، لنعود إلى المنزل”، ثم ينادي في استغاثة تقسم الغابة إلى نصفين “ساعدونا!”، وعندما لم يجد إجابة، يستلقي عند ذراع والده الميت، ويغمض عينيه المليئتين بالدموع. وكيف تغيب عن ذاكرة كل من قرأ أو حضر “هاملت” لشكسبير، كلمة “من هناك؟” في مستهل المسرحية أو العبارة القائلة في أحد الحوارات “كن صادقا لنفسك، وستأتي الحقيقة في النهاية، كما يتبع النهار الليل، وحينها لن تستطيع أن تكذب على أحد”. فيلم “الأسد الملك” يجمع، وبعبقرية نادرة، بين ألمعية هذين المشهدين في عمل سينمائي كرتوني، صنفه النقاد كواحد من أعظم ما أعطته القريحة الإبداعية في استوديوهات والت ديزني، التي تتربع على عرش سينما الأنيميشن في العالم.

شهرة قديمة وتتجدد

لعل أهم ما يؤكد على النجاح الأسطوري الذي حققه الفيلم الكرتوني “الأسد الملك” في نسخته الأولى، منذ ما يقارب الربع قرن، هو ظهور هذه الأيام، على شاشات العرض، النسخة الحية لنفس الفيلم بتقنيات أحدث تطورا ومشاهد أكثر حقيقية، واعتلاؤها لقائمة الأفلام التي حققت أرباحا خيالية. وجدير بالذكر أن هذا العمل الذي يستند في نجاحاته على شهرة النسخة الأولى عند إنتاجها عام 1994، هو من إخراج جون فافرو، وتأليف جيف ناثانسون، بريندا تشابمان، ايرين ميكي، جوناثان روبرتس وليندا ولفيرتون.

أما فيلم “الأسد الملك” الذي أبهر كل من شاهده، ومازال يستمتع بمشاهدته، مع أبنائه، منذ 24 عاما، فقد أخرجه روب مينكوف  وروجر ألرز. ألف نصه كل من جوناثان روبرتس وليندا ولفيرتون، وتشكل طاقم العمل الأصلي باللغة الإنكليزية في أميركا، من ناثان لين، جيمس إيرل جونز، ماثيو بروديريك، جيم كامينجز، نيكيتا كالامي وإرني سابيلا.

ومهما توالت النسخ المعدلة والمطورة، فإن “الأسد الملك” في نسخته الكرتونية الأولى، يظل أيقونة جيل كامل من متابعي إنتاج شركة والت ديزني، حتى أن أحد الصحافيين الأميركيين أورد شهادات طريفة ومعبرة عن مدى تعلق عشاق “الأسد الملك”  بقصته التي شاهدوها لأول مرة سنة 1994، إذ قال واحد من جمهور الفيلم الجديد “بصراحة لقد تغلبت مؤخرا على صدمة موت الأسد موفاسا، والآن يجب عليّ أن أذهب وأعيش هذه التجربة مرة أخرى”، فيما رد آخر “اللعنة على ديزني إنها ستجعلنا ندفع المال لمشاهدة موفاسا يموت ولكن بتقنية سينمائية حديثة”.

هكذا دأبت شركة والت ديزني على إحياء روائع كل ما جاد به الخيال الإنساني من قصص وأساطير، مما جعلها تجمع البشرية بمختلف ثقافاتها حول فكرة محورها الإتقان والإدهاش، وهو ما يميز النسخة الكرتونية الأولى لـ”الأسد الملك” مهما تطورت التقنيات والمعالجات الفنية، ذلك أن الدهشة الأولى لا يمكن لها أن تتكرر أبدا. وهو ما يجعل الكثير من عشاق السينما يرفضون إعادة تصوير وإنتاج أفلامهم المفضلة.

ليس هناك أنسب من عالم الحيوان لقول أي فكرة، مهما بلغت حساسيتها وخطورتها، وليس هناك أقدر من دراما شكسبير على سبر أغوار الذات البشرية بكل أهوائها وتقلباتها، لذلك كان لا بد من هذا “الزواج” الذي لا بد منه بين عوالم “كليلة ودمنة” وروائع مسرحيات شكسبير، خصوصا تلك التي تُعرف بـ”المآسي الكبرى”، والتي كان أهمها “هاملت”.. قصة الأمير الدنماركي الذي قتل عمه أباه لينتزع منه الملك ويتزوج من أمه. وما تنفك تظهر الحقيقة له على شكل طيف، يفضي بدوره إلى أسئلة وجودية كبرى وسط شخصيات متضاربة في المصالح والأهواء والمصائر.

شركة والت ديزني دأبت على إحياء روائع كل ما جاد به الخيال الإنساني من قصص وأساطير، مما جعلها تجمع البشرية بمختلف ثقافاتها حول فكرة محورها الإتقان والإدهاش
شركة والت ديزني دأبت على إحياء روائع كل ما جاد به الخيال الإنساني من قصص وأساطير، مما جعلها تجمع البشرية بمختلف ثقافاتها حول فكرة محورها الإتقان والإدهاش

الشبل الأمير هنا في قصة الفيلم هو الصغير سيمبا الذي يولد في “أرض العزة” التي تحرسها الشمس كرمز للكرامة البشرية. يبدأ الفيلم بمشهد الاحتفاء بالطفل سيمبا الذي تباركه الغابة بجميع أطيافها، تقدّم لوالده الملك العادل فروض الطاعة والولاء وسط استعراض غنائي ذي فرجة آسرة.

الحدث الجلل الذي يتربص بهذا المجتمع الآمن الوديع يتمثل في مؤامرة تحاك خيوطها في السر، على شكل تلميحات وإشارات منذ المشاهد الأولى للفيلم، ويتمثل في قتل الملك الأب (موفاسا) عن طريق مؤامرة دبرها له شقيقه سكار، أي عم الشبل سيمبا.

يقوم سكار، الشرير بخداع ابن أخيه، الأسد الصغير، وإيهامه بأنه السبب في مقتل موفاسا، ليهرب سيمبا ويستفرد الطاغية سكار بالعرش في الغابة التي صارت موحشة وقد غادرتها بهجة العيش الكريم. يلتقي سيمبا بتيمون وبومبا ويصبح صديقا لهما، ولا تخلو أحاديث الثلاثة من طرائف وملاسنات وقصص ذات مغزى، يحبّها الصغار والكبار على حد السواء.

 وكما في القصص وحكايات الجدات، يكبر سيمبا في أقل من ساعة، ويلتقي بصديقة الطفولة “نالا” التي لم تكن تعلم هي أو أي أحد من عائلته بأنه على قيد الحياة، وتجهل سره الذي يخفيه والسؤال الذي يقض مضجعه. تخبره نالا كيف يتحكم الشرير سكار في البلاد ويعربد فيها دون مراعاة لحقوق ساكنيها، وكيف تحولت “أرض العزة” إلى خراب، وتطلب عودته لأراضيه واستعادة مُلك أبيه المغدور. سيمبا المتردد، يرفض في البداية، لكنه يعيد النظر في الأمر بعد لقائه بالقرد العجوز الحكيم رفيكي صديق والده، والذي كان بمثابة عرّابه في الطفولة.

الشبل الأمير سيمبا، يظهر له طيف والده المقتول في المؤامرة التي دبرها عمه الشرير، تتجلى له الحقيقة وفظاعتها بوضوح فيقرر الانتقام لوالده ومحاربة عمه وحلفائه الضباع بمعية صديقيه تيمون وبومبا، وكذلك حبيبته نالا وباقي أفراد العائلة والمتعاطفين.

أحداث وتطورات دراماتيكية تعصف بالغابة التي فقدت أمنها وأمانها، صراعات ومؤامرات واصطفافات كان محورها دائما صخرة العرش الشاهقة التي يحاول الشبل الصغير استردادها من عمه المتجبر ومغتصب الحكم بطريقة غير شرعية.

وعلى الباغي تدور الدوائر، كما يقال، وينشب خلاف مصالح بين الحاكم سكار وحلفائه الضباع الذين يتمكنون من قتله في نهاية الأمر، لتنتهي قصة الفيلم بعودة المشردين والمنفيين واللاجئين من قطعان الحيوان لأرض العزة التي تستعيد ازدهارها بعد زمن ثقيل من القحط والظلم والحكم الجائر.

وكما في النهايات السعيدة التي يحبها ويتمناها الصغار والكبار، يقترن سيمبا بحبيبته نالا، وينجبان طفلا يبتهج الجميع لطلته كما في المشهد الأول من الفيلم.

الأمير الدنماركي والشبل الأفريقي

هاملت وسيمبا يستعيدان الذات التي تمتلك القرار وبعد صراع طويل من التردد تأتي لحظة الانتقام للحقيقة
هاملت وسيمبا يستعيدان الذات التي تمتلك القرار وبعد صراع طويل من التردد تأتي لحظة الانتقام للحقيقة

فيلم “الأسد الملك” لا يلخص، طبعا، في سطور قليلة، وليس مجرد حكاية طريفة ومسلية، تنتهي جاذبيتها مع شارة النهاية وخروج المتفرج من قاعة العرض، بل هو من صنف تلك الأعمال التي كُتب لها الخلود بسبب قوة إتقان بلغت حد التناهي في جميع العناصر الفنية.

الرسومات في هذه الرائعة السينمائية الكرتونية التي ختمت القرن الماضي، كانت تحمل كمّا هائلا من الأنسنة والتعبيرات الدرامية في وجوه الحيوانات وتفاعلاتها مع المواقف، كما لو أن تلك الرسومات بألوانها المختارة بدقة، ممثلون من لحم ودم، يتحركون أمام كاميرا مخرج بعد استكمال بروفاتهم.. وقد تكون لهم هنّات وأخطاء.. من يدري. “يا إلهي، أين نسخة المكينغ أوف من هذا الفيلم” صرخ أحد النقاد المتحمسين من كثرة إعجابه.

الحوارات في “الأسد الملك” تقارب الشعر، ترتقي إلى لغة شكسبير، ولكن بطرافة ورشاقة شديدتين، ودون تجهم أو قتامة. ويبدو واضحا أن ورشة هائلة من عتاة المتخصصين قد عالجوا كل نقطة وفاصلة، ولم يتركوا للعشوائية والارتجال أي مجال في هذا العمل الذي اختاروا له طاقما “مخيفا” من فناني الدوبلاج، حتى أن بعضهم قد حقق نجومية استثنائية بصوته الذي أعاره لإحدى شخصيات الفيلم.

الكادرات في هذا الشريط الأسطورة، حققت ما عجزت عنه الكاميرات التي يقف خلفها آدميون. صخرة العرش الملكي وإطلالة الأسد من فوقها، ليست مجرد عرين سبع يطل من خلالها حاكم على رعيته بل تحسها، وأنت تتفرج، من إنجاز أمهر فناني الديكور والسينوغرافيا في العصر الحديث.

كتّاب سيناريو “الأسد الملك” خففوا من تراجيديا شكسبير في “هاملت”، وزادوا من طرافة وأنسنة الحوار في “كليلة ودمنة” لابن المقفع، فوصلوا إلى معادلة تجعل العمل قريبا من قلوب جميع الناس، وأعطوا لسينما الكارتون نفسا جعلها تعمّر وتزدهر بعد أن فكّر المشرفون على والت ديزني إغلاق استوديوهاتهم في ثمانينات القرن الماضي بعد كساد طويل.

صدرت أشهر نسخة عربية للفيلم بالعامية المصرية في سنة 1994 بأداء العديد من النجوم المصريين ومنهم محمد هنيدي وعبدالرحمن أبوزهرة وسلوى محمد علي وغيرهم، وقد تمت ترجمة الحوار وإعداد النص على يد الكاتب الراحل عبدالرحمن شوقي، الذي كتب أيضا الأغاني مع سمير حبيب، أما الإخراج فكان لعصام السيد.

التقاطع بين “الأسد الملك” و”هاملت” كبير إلى حد التماهي، وفي الكثير من التفاصيل الصغيرة أيضا، ولكن بشيء من مراعاة المتفرج الصغير، والعائلة على وجه العموم، لكن هذا لم يغيّب وهج الأسئلة وعمق الأطروحات ذات النفس الوجودي.

هاملت وسيمبا، كلاهما أميران نقيان، يجدان نفسيهما ضحية لأطماع عم شرير يقتل الأب ويستولي على الحُكم، وعند لحظة تأزم ما، تدفع بها الأحداث، وتصنعها، يُنفى الاثنان عن مملكتيهما ويرحلان لأرض بعيدة.. تغيير الأمكنة يدفع بالأسئلة نحو أقصاها حسب المنطق الذي تأسست عليه الدراما منذ قدماء الإغريق.

تكاد تكون لحظة القرار الحاسم في المواجهة، واحدة ومتشابهة إلى حد بعيد بين الأميرين المبعدين عن العرش، ذلك أنها تأتي عند اكتشاف الحقيقة. وكما نجد الشخصيات الثانوية متشابهة في الاثنين، وإن اختلفت أدوارها، إذ تأخذ في “هاملت” منحى أكثر فجائعية. الأم غيرترود تقابلها في “هاملت” الأم سارابي في “الأسد الملك”، وتقابل الحبيبة أوفيليا في “هاملت” الحبيبة نالا في “الأسد الملك”، ويقابل العم كلاوديوس في “هاملت” العم سكار في “الأسد الملك”، بينما يتوزع دور الصديق الناصح المخلص الذي يلعبه هوراشيو في “هاملت” على أكثر من شخصية في “الأسد الملك”، فيمكننا أن نراه في شخصيات تيمون وبومبا ورافيكي.

هاملت وسيمبا يستعيدان الذات التي تمتلك القرار بعد صراع طويل من التردد، وتأتي لحظة الانتقام للحقيقة قبل أن يكون الأمر مجرد ثأر بالمفهوم القبلي، والتراتبية العائلية المتعارف عليها في أنظمة الحكم التوريثي، لكن الأمر يطرح أكثر من سؤال حول مصداقية ما ذهب إليه هاملت الدنماركي مقابل فضاء غابات السافانا الأفريقية التي تدور فيها أحداث مأساة الأسد الصغير “سيمبا”.

المشرفون على الفيلم درسوا بدقة الجانب الأنثروبولوجي في قبائل أفريقيا أي المكان الافتراضي للأحداث، ويظهر ذلك واضحا حتى في أسماء الشخصيات ودلالاتها من حيث التموقع في الحكم، وهي مقاربة عسيرة ومضنية بل غريبة إلى حد الحيرة بين أمير أسكندنافي وآخر أفريقي.. أليست هذه في حد ذاتها “صنيعة إعجازية” تشارك في نسجها دون قصد، عبدالله ابن المقفع ووليم شكسبير ثم أخرجها للوجود فيلم اسمه “الأسد الملك”؟

في هذا الصدد، يثير الكاتب طارق عيد سؤالا يبدو غريبا، لكنه يفتح قراءات أخرى، ويتمثل في مصير الحيوانات العاشبة في كل ما يحدث ويقول إن لا أحد من هؤلاء تبدو لديه أيّ مشكلة، فجميع الحيوانات العاشبة قبلت أنّ لديها دورا محددا في هذه الحياة، فهي تتغذى على الأعشاب وتعلم أنّها سوف تكون طعاما للأسود يوما ما في حين أنّ الأسود تقوم بتناول هذه الحيوانات وتبرر الأمر بأنّها سوف تُصبح عشبا في النهاية. ويعقب عيد بأن “هذا النمط من الحكم ليس نمطا حديث المنشأ فقد تبنّاه أفلاطون منذ القدم ودافع عنه قائلا إنّ جميع الأشخاص يجب عليهم أن يتقبلوا دورهم في هذه الحياة”.

“الأسد الملك” فيلم سوف يتربع على عرش الأفلام الملحمية التي لا تنسى طيلة عقود طويلة، ذلك أنه استند إلى أقوى وأشمخ ما جادت به البشرية في تاريخها: عبدالله ابن المقفع في الشرق ووليم شكسبير في الغرب.. وبين الاثنين، عبقرية والت ديزني.

16