الأسد.. بروفة الخروج الأخير

الجمعة 2015/10/30

بعد أقل من شهر على بدء تدخلها العسكري في سوريا، بدأت موسكو بطرح أوراقها على الطاولة لاستقدام عروض التفاوض التي افتتحتها باستدعاء رأس النظام، وبشكل مفاجئ، إلى مقر الكرملين للتباحث معه في الخيارات المتاحة.

كان المشهد أقرب ما يكون إلى توجيه تعليمات منه إلى لقاء بين رئيسين، ويبدو أن موسكو كانت حريصة على إظهاره بهذه الصورة كي توجه رسالة إلى الأطراف المنشغلة بالشأن السوري إلى أنها تمتلك خيوط اللعبة، خاصة وأن طائراتها باتت تتسيد المجال الجوي السوري دون منافس من الأطراف المؤثرة التي أبدت تخوفها من أن يؤدي التدخل الروسي إلى تفاقم الأوضاع.

وبعد يومين من لقاء فلاديمير بوتين ببشار الأسد التحق وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف باجتماع رباعي في العاصمة النمساوية فيينا ضمه إلى جانب كل من وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وتركيا. وقد حمل لافروف إلى الاجتماع ما قيل إنه مبادرة روسية للحل بدت أكثر مرونة من المواقف الروسية المتشددة السابقة التي كانت تصدر عن المسؤولين الروس، والتي كانت تضاف عليها الكثير من الزيادات حين يرددها أحد مسؤولي النظام، من تشديد على أن الموقف الروسي الداعم لنظام دمشق لم ولن يتبدل وهو ثابت ولا يمكن أن يخضع لشروط التفاوض أبدا، وأما تفاصيل المبادرة التي تم تسريبها فيما بعد فهي تعتبر الأسد واحدا من أوراق كثيرة يتم التباحث بشأنها، ولا تبدو الإدارة الروسية مصرة على بقائه أو متمسكة به، بل إنها قد تقبل بألا يكون مترشحا للسلطة في حال تم الاتفاق على البنود الباقية.

وبهذا فهي تسقطه من معادلتها، وتنتقل إلى تفاصيل أخرى تبدو مهتمة بها أكثر ومن بينها الحفاظ على قواعدها العسكرية في سوريا بعد رحيل الأسد، وهي تشترط ضمانة أممية لبقاء تلك القواعد، وتعتبر موسكو أن إشراك الجيش الحر الذي أنكرت وجوده أول الأمر، هو جزء أساسي من أجل إرساء عملية سياسية قادرة على الصمود والانتقال بعد ذلك لمحاربة التنظيمات الإرهابية، التي تنظر إليها موسكو، شأنها شأن واشنطن، على أنها خطر مستقبلي قد يطيح بأي جهود لإعادة الهدوء لا في سوريا بل في عموم المنطقة.

عند هذه النقطة، أي نقطة الجيش الحر، تبدو موسكو وكأنها ضربت عرض الحائط بكل ما روج له النظام على مدى قرابة أربع سنوات حول الجيش الحر الذي اعتبره تنظيما إرهابيا وتنبغي محاربته، فيما كانت ترى الكثير من الدول المعنية بالملف السوري، الرياض على وجه الخصوص، أنه لابد من دعم الجيش الحر لأنه الوحيد القادر على محاربة التنظيمات المتطرفة، بالإضافة إلى لجم غطرسة الميليشيات الطائفية الإيرانية التي أغفلها المفاوض الروسي من أجندته، فيما هي تشكل رأس أفعى تسعى لتنفيذ أجندة إيرانية، لم تنكرها طهران.

وإن كانت موسكو مضطرة للتفاوض لإدراكها أن الورطة السورية ليست نزهة، فإنها لابد أن تقدم تنازلات تلبي اشتراطات الآخرين الذين يوافقونها الرأي على أنه لابد من محاربة الإرهاب والقضاء عليه، لكن أولاً يجب التخلص من السبب الرئيس الذي كان وراء جعل الساحة السورية مرتعاً لكافة الجماعات الإرهابية، والمقصود هنا نظام دمشق بطبيعة الحال. وهو الأمر الذي لم تكن موسكو راغبة في رؤيته، لكنها مضطرة للتعامل مع هذا الواقع، وإبعاد الأسد شيئا فشيئا عن المشهد كي تخرج بنتيجة من هذه المفاوضات.

كاتب سوري

9