الأسد في مأزق جديد.. مكسب عسكري بلا غنائم سياسية لا يعني انتصارا

مع حلول الذكرى الثامنة لبداية اندلاع الصراع السوري مازال النظام يخوض حروبا يتعين الخروج منها قبل الانتقال إلى النقطة الرئيسية وهي "الحصار" الذي تفرضه دول أجنبية.
الجمعة 2019/03/15
مكاسب عسكرية بدعم روسي غير كافية

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عزمه سحب قوات بلاده من سوريا، ذهبت كل التقديرات السياسية إلى أن هذه الخطوة تعد بمثابة إعلان انتصار عسكري لنظام بشار الأسد وحليفيه الروسي والإيراني، لكن مع تبدّل نسق المتغيرات، يبدو أن المشهد السوري الجديد مازال لا يخلو من تعقيدات التنافس الخارجي في سوريا المثقلة بأزمات وحصار اقتصادي خانق زادا في تعقيد مستقبل البلاد خاصة أن كل القوى الفاعلة باتت تتصارع أكثر من أي وقت مضى رغبة في تحصيل غنائم واستثمارات هامة من ملف إعادة إعمار سوريا بالتزامن مع عجز نظام الأسد عن جني غنائم توازي ما حققه عسكريا.

بيروت- بعد مرور ثماني سنوات على انزلاق سوريا في أتون الحرب، دُحِر الكثير من أعداء الرئيس بشار الأسد وعادت معظم أراضي البلاد إلى سيطرته إلا أنه لا يحتفي بالأمر، حيث لم يكن ما حققه من شبه انتصار بدعم من موسكو، متبوعا بغنائم اقتصادية.

وقال الأسد لمناصرين في كلمة ألقاها الشهر الماضي “علينا أولا ألا نعتقد خطأ كما حصل خلال العام الماضي أن الحرب انتهت. وأقول هذا الكلام ليس للمواطن فقط، بل للمسؤول أيضا”.

وأضاف “نحن نحب بطبعنا أحيانا العنتريات.. وكأن الحرب أصبحت من الماضي. ولدينا الرومانسية أحيانا أننا انتصرنا”. رغم أن كل المتغيرات تشير إلى أن الأمور قد حُسمت لفائدة النظام السوري خاصة مع اقتراب نهاية تنظيم داعش المحاصر في آخر جيب له في شمال سوريا، فإن المرحلة الحالية أصبحت أكثر تعقيدا بعدما ازداد نسق تحوّل سوريا إلى أشبه بحلبة مصارعة .

كل هذا أكده الأسد بقوله إن قواته ما زالت تخوض حروبا يتعين الخروج منها قبل الانتقال إلى النقطة الرئيسية التالية، ألا وهي “الحصار” الذي تفرضه دول أجنبية.

وأكد أن “معركة الحصار هي معركة قائمة بحد ذاتها. هي معركة كرّ وفر تشبه المعارك العسكرية. خلال هذه الحرب كنا نربح معارك ونخسر معارك، الحصار بشكل عام يشتد لو قارناه بالسنوات الماضية”.

وتعكس هذه التصريحات أن الوضع غير مريح بالمرة في دمشق، تزامنا مع حلول الذكرى الثامنة لبداية اندلاع الصراع بعد الاحتجاجات في 15 مارس 2011. وبعد مرور عام أو نحو ذلك منذ آخر مرة سقطت فيها قذيفة مورتر على المدينة، لكنّ السوريين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة يشكون من نقص في الوقود تُلقي دمشق باللائمة فيه على عقوبات الغرب.

تشابك مصالح الفاعلين في سوريا يبقي الحرب مفتوحة
تشابك مصالح الفاعلين في سوريا يبقي الحرب مفتوحة

وتشير الجموع المصطفة للحصول على أسطوانات الغاز المدعومة إلى صعوبات اقتصادية أوسع تواجهها الحكومة رغم الانتصارات العسكرية التي تحققت بمساعدة إيران وروسيا.

ورغم أن هذين الحليفين قدما قوة نيران كانت حاسمة في الحرب، إلا أنهما لم يقدما الكثير في مجال المساعدات لإعادة بناء المدن التي دمرتها حرب أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نصف عدد سكان سوريا.

وفي مقابل ذلك فإن الدول الغربية لن تهتم بالمساعدة دون تحقيق تسوية سياسية. غير أن الأسد بدوره لا يبدي استعدادا للتنازل بعدما ضيق الخناق على أعدائه وحصرهم في جيب بالشمال الغربي، وهو الآن قاب قوسين أو أدنى من القوات الحكومية.

وأثار قرار دونالد ترامب سحب كل القوات الأميركية من سوريا إمكانية أن تستعيد دمشق المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد، حيث تنتشر تلك القوات. لكن هذه الفرضية ضعفت إذ من المقرر الآن أن تبقى بعض القوات الأميركية.

ورغم أن بعض الدول العربية أبدت استعدادا لكسر الجليد الدبلوماسي مع الأسد، فقد كان للضغط الأميركي دور في كبح حدوث تقارب أكبر. وانحسرت قوة الدفع لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

ويقول ديفيد ليش، الخبير في الشأن السوري ومؤلف كتاب “سوريا: سقوط آل الأسد”، “أتفق مع الأسد، الحرب لم تنته. النظام لا يواجه أي خطر سقوط وشيك لكن التحديات بالغة سياسيا واقتصاديا”.

ويرى أن سوريا في مسارها الحالي باتت أشبه بالسودان الذي يعاني أزمة وللدولة فيه سلطة محدودة وبه مناطق حكم ذاتي خارج قبضتها، مضيفا أن “السؤال هو هل بشار الأسد ومن حوله يدركون أن هذا هو مستقبلهم؟”.

وفي خطابه الأخير، قال الأسد “ما زلنا نخوض أربعة أنواع من الحروب” هي الحرب العسكرية و”الحصار” الاقتصادي والحرب ضد الفساد وما وصفه بالمعركة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قال إن أعداء سوريا يشنّون حملة دعائية.

أما في ما يخص النقص الحاصل في الغاز وغيره من الإمدادات، فقال “بما أننا نتحدث عن الحوار أريد أن أتطرق إلى الحوارات الأخيرة التي دارت في مجتمعنا خلال الأزمة الخانقة التي مررنا بها في الأسابيع الماضية وعلى مراحل، مرة بالغاز ومرة بالمواد الأخرى المختلفة”.

وشبه الأسد العقوبات الاقتصادية بحرب فيها نصر وفيها خسارة. وقال “غالبا ننجح لكن أحيانا نتعثر لأن هناك أساليب جديدة للدول المعادية وهناك مواد تتبدل حسب ظرف المادة وحسب الظرف السياسي وحسب ظرف الحصار”.

وتقول الولايات المتحدة إن عقوباتها تهدف إلى عزل القيادة السورية ومناصريها عن الأنظمة المالية والتجارية العالمية لارتكابها أعمالا وحشية منها استخدام أسلحة كيميائية. وتنفي الحكومة استخدام مثل هذه الأسلحة.

وقالت لجنة تقصي الحقائق في سوريا تابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، إن القوات الحكومية نفذت 32 من 37 هجوما كيميائيا خلال الحرب بما في ذلك هجمات بالكلور والسارين.

النظام السوري بقيادة بشار الأسد لا يواجه أي خطر سقوط بل تعترضه تحديات سياسية واقتصادية بالغة الأهمية

وفي نوفمبر تحدثت واشنطن عن مخاطر جمّة على الأطراف المشاركة في شحنات بترول لسوريا ونشرت قائمة بالسفن التي سلمت نفطا للبلاد منذ 2016 وحذرت من “ممارسات شحن خادعة”. ويرجّح أن تزيد واشنطن في تشديد عقوباتها على دمشق مع إقرار تشريع جديد يطلق عليه قانون قيصر.

ووسع الاتحاد الأوروبي عقوباته التي تستهدف سوريا بإضافة 11 رجل أعمال وخمس شركات شاركوا في خطة للتطوير العقاري الفاخر ومشروعات أخرى تدعمها الحكومة في يناير إلى قائمات عقوباتها. وسبق أن شهدت سوريا مثل هذا النبذ، فالولايات المتحدة تصنّف سوريا دولة راعية للإرهاب منذ عام 1979. خاصة أن أدوار ايران المتجذرة في هذا البلد تعقد إمكانية لتطبيع العلاقات مع واشنطن.

أما، بالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فكان التصدي للنفوذ الإيراني سببا كافيا لأن تعيد فتح سفارتها في دمشق، لكنّ دولا عربية أخرى، لاسيما السعودية وقطر، تشارك الولايات المتحدة الاعتراض على مثل هذه الخطوات.

وقال دبلوماسي يتابع الوضع في سوريا “في النهاية، ترى دمشق أنها كسبت الحرب بعد سقوط الغوطة الشرقية، لذا فهم يحتاجون بعد النصر العسكري نصرا سياسيا، ومن ضمن هذا الاعتراف الخارجي”. وتابع قائلا “التحدي الكبير هو الاقتصاد. سيضطرون إلى أن يقولوا ‘نحن في سبيلنا لإعادة الإعمار’، لكن لا أموال تتدفق”.

وتسعى الأمم المتحدة إلى جمع مساعدات لضحايا الحرب في سوريا واللاجئين في المنطقة خلال مؤتمر سنوي لجمع التبرعات استضافته مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل الخميس. لكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يقولان إنه لا يمكنهما تقديم مساعدات لإعادة الإعمار ما لم يحدث انتقال سياسي في سوريا.

6