الأسد يستعد لخوض سباق رئاسي "صوري" لتمديد سلطته

الجمعة 2014/05/02
التصويت يجري وسط مذابح يومية قد تزيد مع اقتراب يوم الانتخاب

بيروت - في قاعة مسرحية منمقة تصطف فيها المقاعد الخشبية -هي قاعة مجلس الشعب السوري- جرت مراسم غير معتادة هذا الأسبوع.

كانت المراسم جزءا من عملية انتخابية رتبت بحيث تصور أجواء سباق رئاسي مع ضمان تغييب من يمكنه حقا أن يتحدى الاسم الأوحد في ورقة الانتخاب.. اسم المرشح الأسد.

في ظهر كل يوم يتسلم رئيس البرلمان محمد اللحام أكواما من الوثائق في مظاريف من القطع الكبير. يفتحها بوقار ويتلو أسماء الراغبين في الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة الشهر القادم.

وحين انقضت مهلة تلقي طلبات الترشيح يوم الخميس كان 24 اسما قد أعلنت على النواب منها 23 اسما لا يعرف الكثير عن أصحابها وستظل هكذا على الأرجح رغم الجهود الرسمية لتصوير الاقتراع على أنه سباق حقيقي.

الاسم الوارد في المظروف الرابع والعشرين هو "الدكتور بشار حافظ الأسد" الذي خلف أباه في السلطة منذ 14 عاما. ويوم الإثنين الماضي أعلن الأسد أنه سيسعى للبقاء في الرئاسة لفترة أخرى وسط حرب أهلية انطلقت شرارتها من احتجاجات على حكم أسرته الممتد منذ أربعة عقود.

وتحدي الأسد لمطالب المعارضة بالتنحي تمهيدا لتحول سياسي سلمي يعكس ثقته المتزايدة بأنه حول دفة الصراع الذي سقط فيه 150 ألف قتيل.

أثار هذا أيضا رد فعل غاضبا من خصومه الذين يقولون إن التصويت المقرر في الثالث من يونيو سيكون تمثيلية الهدف منها إعطاؤه شرعية يقولون إنه فقدها عندما لجأ للقوة مع أول موجة احتجاجات في مارس 2011.

وهم يشيرون إلى الاضطرابات التي فجرها الصراع ويتحدثون عن استحالة إجراء تصويت ذي مصداقية في بلد منقسم بين مناطق تسيطر عليها الحكومة وأخرى واقعة تحت سيطرة المعارضة وحيث نزح ستة ملايين في الداخل وفر 2.5 مليون إلى الخارج.

وتقول السلطات إن من ترك سوريا بصورة غير مشروعة لن يحق له التصويت وهو ما يعني أن غالبية اللاجئين لن يكون لهم صوت. ويضمن أيضا قانون جديد تم إقراره قبل الانتخابات عدم ظهور أي صوت منشق يمكن أن يختاره الناخبون. كما أن السوريين الذين أمضوا فترات خارج البلاد خلال السنوات العشر الماضية لن يحق لهم الترشح مما يعني استبعاد أي اسم ينتمي للمعارضة في الخارج.

ومن المرجح بالإضافة إلى ذلك أن يتقلص المجال أمام الراغبين في الترشح إلى ثلاثة على الأكثر من خلال بند دستوري آخر يستلزم حصول كل مرشح على تأييد 35 عضوا في مجلس الشعب الذي يهيمن عليه مؤيدو الأسد.

وطوال الأسبوع كان النواب يجرون اقتراعا سريا داخل مكتب رئيس مجلس النواب في مراسم حرصت شاشات التلفزيون الرسمي على نقلها على الهواء مباشرة لإبراز أن العملية يمكن مشاهدتها ومتابعتها.


هل هناك منافس للأسد؟


لكن أي عنصر للتشويق ربما يكون هذا الأداء قد أوجده تبدد هذا الأسبوع عندما قال نائب من حزب البعث الذي يتزعمه الأسد إن كل النواب البعثيين البالغ عددهم 161 نائبا في البرلمان المكون من 250 عضوا يدعمون الرئيس .. بلا استثناء.

الأسد: سنهزم الإرهاب وسنضربه بيد من حديد وسوريا سترجع كما كانت

قال النائب جمال القادري لصحيفة الوطن إن التسعة والثمانين نائبا الباقين قد يقفون وراء مرشح أو اثنين آخرين سيدرج اسماهما في ورقة الاقتراع السري في مواجهة الأسد.

لكن يتبين من أي حسبة أن أيا من المرشحين الثلاثة والعشرين الباقين سيجد حتما صعوبة بالغة في اجتذاب 35 صوتا من التسعة والثمانين صوتا المتاحين. وهذا يفتح الباب أمام احتمال أن تخلو ورقة التصويت في انتخابات الشهر القادم -كما كان الحال في الانتخابات السورية خلال الأربعين سنة الماضية- إلا من اسم واحد فقط: الأسد.

لكن على النقيض من الانتخابات السابقة.. يجرى التصويت هذه المرة وسط مذابح يومية قد تزيد مع اقتراب يوم الانتخاب. فبعد يوم واحد من إعلان الأسد ترشحه وقع انفجار مزدوج بسيارتين ملغومتين في منطقة تسيطر عليها الحكومة في حمص وأودى بحياة مئة شخص في واحد من أعنف الهجمات خلال الصراع الذي تفجر منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ومع هذا تتواصل حملة ترشيح الأسد مع تزايد ظهوره على شاشات التلفزيون وقيامه بزيارتين رمزيتين خارج معقله بوسط دمشق خلال الشهرين الماضيين.

كل هذا يصور الأسد على أنه الشخصية القادرة على إعادة توحيد بلد ممزق وإعادة بنائه واستعادة الأمن وإعادة تسكين المدنيين بعد سنوات الحرب وحماية الأقليات من عدو إسلامي متشدد. وعرض التلفزيون لقطات للقائه رهبانا مسيحيين وأسرا مشردة وأطفالا يتامى.

وفي مارس تفقد الرئيس ملجأ للسوريين المشردين في بلدة عدرا الواقعة على بعد 20 كيلومترا شمال شرقي وسط دمشق وقال إن الحكومة تعمل على مساعدتهم وإن الجيش يعمل جاهدا لإعادتهم لديارهم.

وفي عيد القيامة يوم الأحد الماضي سافر شمالا إلى بلدة معلولا المسيحية القديمة التي استعادتها القوات السورية في الآونة الأخيرة من مقاتلي جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سوريا.

وبعد أن شق طريقه وسط حطام دير لحقت به تلفيات بسبب قتال على مدى أسابيع وقف الرئيس إلى جوار قس في عباءة سوداء وأشاد بالجنود الذين قال إنهم حققوا شيئا لم يسبق له مثيل في العالم الحديث.

وقال الأسد "لا يوجد شعب في العالم واجه الذي تواجهه سوريا اليوم. إن تكاتفكم كمواطنين وكعسكريين في الدفاع عن البلد هو الذي حقق هذه الانتصارات والإنجازات التي تمت والتي سيسجلها التاريخ العسكري والتاريخ السياسي".وأضاف "سنهزم الإرهاب وسنضربه بيد من حديد وسوريا سترجع كما كانت."

ولم يذكر في معرض ثنائه على القوات الدعم العسكري المقدم من إيران وروسيا ولا المقاتلين الشيعة القادمين من العراق ولا جماعة حزب الله اللبنانية الذين أخرجوا مقاتلي المعارضة السورية والجهاديين الأجانب من ريف دمشق ووسط سوريا.


دعم من الأقليات


ظهر الأسد وزوجته أسماء يوم الثلاثاء على شاشات التلفزيون وهما يلتقيان أسر مات ابنها الوحيد في الصراع. كان هؤلاء متطوعين إذ أن الابن الوحيد معفى من الخدمة العسكرية الإلزامية في سوريا.

وكأي سياسي طيب يسعى للترشح لمنصب جلس المرشح الأسد أمام الكاميرات وعلى حجره طفل ذو وجه جميل.

بلد منقسم بين مناطق تسيطر عليها الحكومة وأخرى واقعة تحت سيطرة المعارضة

أما زوجته التي كانت تعمل في أحد البنوك في بريطانيا قبل زواجه منها عام 2001 فقد ظهرت يوم عيد الأم في شريط مسجل بعناية وهي تعزي أمهات فقدن أولادهن في الحرب.

وشارك ممثلون ومغنون معروفون في حملة على التلفزيون الرسمي تحت عنوان "صوتك حريتك" تحث السوريين على المشاركة في التصويت.

وقال الممثل وائل شرف في شريط دعائي "هادا هو معنى الحرية الحقيقية وهيك بنمارسها بأرقى صورها. هيك أنا بفهمها وهيك كل مواطن سوري بيحب سوريا بيفهمها. أنا راح أنتخب."

وفي حين أن احتكار الأسد لوسائل الإعلام الرسمية وغياب أي منافس حقيقي يجعلان نتيجة التصويت محسومة حتى قبل أن يبدأ فإن التأييد الكاسح الذي سيحصل عليه في الثالث من يونيو لن يكون شكليا كله. فبالنسبة لملايين السوريين من الطوائف العلوية والشيعية والمسيحية يمثل الأسد الآن آخر خط دفاع في مواجهة المقاتلين والجهاديين السنة الذين فرضوا منهجا متشددا للدين على المناطق الواقعة تحت سيطرتهم وتلقى عليهم باللائمة في مذابح تعرضت لها أقليات.والصور التي التقطت في معلولا وسط حطام دير قديم مست هذا الوتر وقد تحدث صدى قويا بين الأقليات في سوريا.

قال مسلم سني من شرق دمشق كان قد شارك في الاحتجاجات المناهضة للأسد قبل أن يفر من البلاد إنه لا يرى الآن بديلا. وتابع "لو كنت أثق في أن المخابرات السورية جادة في أنها لن تقبض على الناس ولن تقتلهم لكنت عدت إلى البلد بل ولكنت أعطيته صوتي. أنظر إلى سوريا وأسأل نفسي: ما الذي فعلناه بهذا البلد."

1