الأسرار الدفينة وقود الرواية

يحاول الروائي كشف أسرار الحياة نفسها، تراه يبحث عن أجوبة لأسئلته، يقدّم مقترحاته كجزء من مساهمته في لعبة الكتابة والحياة، وتكون الأسرار التي ترهق أصحابها وقود الرواية.
الاثنين 2019/02/18
الأسرار مفاتيح لخوض مغامرة التجريب (لوحة إيمان شقاق)

تلعب الأسرار التي يمكن وصفها بالدفينة دوراً في توجيه الروائيّ لاختيار موضوعاته التي يقوم بمعالجتها في أعماله، بحيث تغدو تلك الأسرار مفاتيح لخوض مغامرة التجريب ومواجهة الماضي بكلّ مخاوفه والذات بكلّ أسرارها.

هل تكون الأسرار الدفينة بمثابة نقاط عمياء في ذاكرة المرء؟ هل هي كصغار الأفاعي لا تخلو من سموم، بمعنى مجازي، تعكّر على صاحبها هناءته المفترضة وترغمه على البحث عن سبل ليتمّ تظهيرها وتجسيدها كتابياً؟

في حياة كلّ امرئ أسرار معيّنة، يحاول أن يتكتّم عليها، ويحتفظ بها كشيء مرعوب منه؛ مرغوب عنه، لا ينوي إيقاظه وإطلاقه في فضاء حياته، لأنّه يروم سلاماً ما من دونها، أو بعيداً عنها، وكأنّ أسراره هي فتن نائمة عليه ألّا يحاول إيقاظها بأيّ وسيلة، بل وعليه أن يحاول إبقاءها في عتمتها؛ قرارتِه، كي تفسح مجالاً لصاحبها أن يخطّط لحياته بمعزل عنها، ويتجاوزها إلى ما يأمل به.

لكن هل بالمقدور التغلّب على الرغبة في البوح والاعتراف؟ وهل هذه الرغبة تخبو بمرور السنوات؟ ألا يبقى السرّ مستعراً في وجدان صاحبه؟ ألا يصارع ليتمّ الإفصاح عنه؟

كم من روائيّ كتب عن التحرّش الذي تعرّض له في مرحلة الطفولة، وكم من روائية كتبت عن سفاح قربى، وتحدّثت عن معاناتها من بعض ممّن حاول استغلالها في مرحلة عمرية معينة، وبخاصة الطفولة، وكيف قادتها الظروف إلى التورّط في أفعال بعينها.. وكم من مآسٍ شخصيّة تجسّدت في أعمال روائية عكست مآسي الواقع والحياة، وتكون قابلة للإسقاط والتأويل على هذا المجتمع أو ذاك..!

في حياة كلّ امرئ أسرار معيّنة، يحاول أن يتكتّم عليها، ويحتفظ بها كشيء مرعوب منه؛ مرغوب عنه، لا ينوي إيقاظه وإطلاقه في فضاء حياته، لأنّه يروم سلاماً ما من دونها

لعلّ الرواية خير مخرج للأسرار الدفينة، وخير وسيلة لتظهيرها والإفصاح عنها، فهي من جهة تؤمّن لصاحبها الحماية من أيّة مساءلة مفترضة، أو تمنحه الردّ المقنع عليها، ومن جهة أخرى يمكن تحميلها للشخصيات الروائية وتسريبها إلى القرّاء تحت أقنعة روائية.

ويكون الخيال الروائيّ المتحرّر من قيود الرقابة والاستجواب ردّاً أوحد على مَن قد ينصّب نفسه قارئاً شرطيّاً يفكّر في تقصّي حقيقة الروائيّ وأسراره المبثوثة في ثنايا روايته، وما إن كانت مستلّة من حياته الشخصيّة أو مستلهمة من حياة آخرين لم يتمكّنوا من الاحتفاظ بأسرارهم فكشفوا عنها له ليتصالحوا مع ذواتهم بأنّهم أفصحوا عنها، وليحموا أنفسهم من جهة أخرى بأنّ إفصاحهم عنها أدرج في سياق يحميهم ويريحهم في الوقت نفسه.

يحاول الروائي كشف أسرار الحياة نفسها، تراه يبحث عن أجوبة لأسئلته، يقدّم مقترحاته كجزء من مساهمته في لعبة الكتابة والحياة، وتكون الأسرار التي ترهق أصحابها وقود الرواية ومفاتيح شخصياتها ومعابر إلى عوالمها.

إن كان الشاعر جبران خليل جبران يقول في قصيدة له “مَن باح بالأسرار يشابه الأحمق/ فالصمت والكتمان أحرى بمَن يعشق”، فإنّ الأمر مختلف في حالة الكتابة، حيث البوح والإفصاح أحرى بمَن يكتب، لأنّه يواجه بها مخاوفه ويخفّف عبرها من رعب الآخرين أيضاً بالحديث عمّا يُخشى الحديث عنه، ويوقظ الفتن ليضع حدّاً لها ويحرّرها من عتمتها، لا ليعيد إحياءها وتوظيفها في صراعات وحشيّة مدمّرة. ولربّما هذه أحد أسرار الرواية الدفينة نفسها.

15