الأسرة البديلة.. هل تنجح في اختراق الموروثات الاجتماعية والدينية

جاء إعلان وزارة التضامن الاجتماعي في مصر، اعتزامها إغلاق جميع دور الرعاية والأيتام، بحلول عام 2025، والتوسع في نظام الأسر البديلة لكفالة الأيتام، ليثير جدلا كبيرا، خاصة بين رجال الدين، الذين أكدوا أن التبني محرم في الإسلام، إلا أن الوزارة أوضحت أنها سوف تضع الاشتراطات المناسبة لعلاج تلك الإشكالية.
الاثنين 2016/11/28
الجمعيات الأهلية باتت قاصرة في تعاملها مع الأطفال

عانت تجربة “الأسرة البديلة” في مصر دائما، ازدواجية من قبل المصريين، تحول دون تعميمها، فرغم اعتراف الجميع بتعرض الأيتام ومجهولي النسب والمشردين، لانتهاكات بدنية ونفسية في دور الرعاية، إلا أنهم في الوقت نفسه، يتحفظون على تبني الأطفال، أو كفالتهم داخل البيوت، مع أسر جديدة محرومة من الإنجاب.

وعلى مدار 57 عاما، واجهت فكرة الأسر البديلة للمحرومين من الرعاية العائلية، معارضة من قطاعات عديدة في المجتمع المصري، خصوصا علماء الدين، رغم اعترافهم بتفاقم أزمات دور الرعاية، بدءا من تعرض الأطفال فيها للإيذاء النفسي والبدني، وانتهاء باستغلالهم في أعمال غير مشروعة كالتسول والدعارة. وزارة التضامن أعلنت عن خطط لتسهيل إجراءات شروط كفالة الطفل اليتيم داخل الأسرة، من بينها تسليم الرضع من سن ثلاثة أشهر، ورفع سن الزوجين الراغبين في الكفالة إلى ستين عاما، بدلا من 55 عاما.

بالنسبة إلى الكثير من دور الرعاية الاجتماعية في مصر، يعتبر اليتيم أو مجهول النسب، “دجاجة تبيض ذهبا”، فمن خلاله تأتي التبرعات التي تنعش خزائنها، لذا لم يكن مستغربا أن تعارض معظمها الخطط الحكومية لتوسيع الأسر البديلة، والقضاء على دور الرعاية، في تسع سنوات فقط.

ومن جانبها قالت داليا صلاح، مديرة المؤسسة المصرية للنهوض بأوضاع الطفولة، إن الأسر البديلة، توفر للأطفال أجواء أسرية أكثر أمانا من دور الرعاية، التي شهدت في الشهور الأخيرة، العديد من الانتهاكات البدنية والجنسية بحق الأطفال، بسبب استعانة أصحابها بعمالة غير مؤهلة للتعامل مع الطفل، توفيرا للنفقات.

وشهدت مصر، قبل أيام، جريمة استغلال إحدى دور رعاية الأيتام بالإسكندرية، الأطفال في ممارسة الدعارة، وعمليات الاتجار بالأطفال حديثي الولادة والمولودين سفاحا، بمبالغ تناهز 500 دولار للطفل الواحد، وثبت أن صاحب هذه الدار متهم في ثلاث قضايا؛ ضرب وشيك دون رصيد وتبديد.

الأسر البديلة توفر للأطفال أجواء أسرية أكثر أمانا من دور الرعاية التي شهدت العديد من الانتهاكات في حق الأطفال

وأضافت صلاح، لـ”العرب”، أن وزارة التضامن الاجتماعي تطلب العشرات من الاشتراطات، قبل منح الطفل إلى أسرة لرعايته، في مقدمتها ألا يكون لدى الأسرة أطفال، وأن يكون دخلها الثابت كبيرا، إلى جانب وجود بيت أو وحدة سكنية مملوكة للأسرة وليست إيجارا مؤقتا، تجنبا لعدم تعرض الطفل للتنقل المستمر.

وبحسب وزارة التضامن الاجتماعي، تستهدف الأسر البديلة شرائح عديدة من الأطفال كمجهولي النسب، والأطفال غير الشرعيين الذين يتخلى عنهم ذووهم، والضالين الذين لا يمكنهم الإرشاد عن ذويهم وتعجز السلطات عن الاستدلال عنهم، إلى جانب من تستحيل رعايتهم في أسرهم الأصلية، كأبناء المسجونين، ونزلاء مستشفيات الأمراض العقلية.

وقد وقّعت مصر على الاتفاقية الدولية للطفل، لكنها تحفظت على مادة التبني، نظرا لمعارضتها الشريعة الإسلامية، لكن يبدو أنه مع مرور الوقت، فإن هذا التحفظ انتهى من الناحية النظرية، إلا في ما يتعلق بمنح الاسم للطفل المكفول.

وتصطدم خطط وزارة التضامن الاجتماعي الجديدة، بمعارضة حادة من رجال الدين، خصوصا التيارات السلفية، التي تقول إن خطط التضامن الاجتماعي، تجعل الأسر البديلة أقرب إلى التبني من الكفالة، وهو أمر محرم في الإسلام، مرددين سؤالا مستمرا: كيف ستعيش البنت مع رجل غريب يحل لها كزوج في بيت واحد؟

وترد الوزارة على ذلك، بأن إلغاء دور الرعاية، بات أمرا دارجا في العالم كله، مما دفعها إلى التوقف عن إصدار تراخيص جديدة لأي دور رعاية جديدة.

وأوضحت منى صادق، مديرة مركز الطفل العامل، والباحثة بالمركز القومي لبحوث التربية في مصر، لـ“العرب” أن مصر قامت بتعديل قانون الطفل، وخففت الإجراءات كثيرا، باستثناء بعض الأمور التي يجب بقاؤها، كالحالة الجنائية للأسرة،

وقدرة الزوجين المالية والبدنية باعتبار أن الكفالة تحتاج إلى رعاية ومجهود بدني كبيرين.

ولعبت الدراما، التلفيزيونية والسينمائية، خلال السنوات الأخيرة، دورا في ترسيخ رفض فكرة الأسر البديلة في مصر، إذ تصور أطفال الشوارع أو مجهولي النسب، على أنهم عناصر عدائية بالفطرة، على عكس أفلام الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، التي ركزت على معاناة اليتيم.

وتابعت صادق أن الأطفال مجهولي النسب، عندما يتم استخراج شهادات ميلاد لهم، يمنحون أوراقا مختلفة عن نظرائهم العاديين، الأمر الذي يمكن اعتباره إحدى أدوات التمييز ضدهم، ويجعلهم موصومين طوال الوقت، من دون أي ذنب أو جريمة.

وأشار أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الأطفال، إلى أن الكثير من الدول، انتهجت مبدأ الأسر البديلة، وحققت نجاحات كبيرة في مواجهة أطفال الشوارع ومجهولي النسب، إلا أن بعض الموروثات الثقافية والاجتماعية، تقف في طريق توسعها بمصر.

وغالبا ما ترفض الأسر المصرية، خصوصا المحافظة منها، الكفالة بالمنزل، خوفا من خضوعها لتفتيش مستمر من قبل التضامن الاجتماعي، كما تتعرض الأسر لأزمات عندما تكبر الفتاة أو الولد، خاصة إذا كان أحد الزوجين يتسم بالغيرة.

وقال نشطاء حقوقيون بمجال حقوق الطفل، إن بعض الأسر تضطر إلى التخلص من الطفل، سواء بطرده إلى الشارع، أو بإعادته مرة أخرى إلى الجمعية، تحاشيا لاستمرار الخلافات الزوجية.

وأوضح مصيلحي، لـ”العرب”، أن مصر تعاني من نقص البيانات، في ما يتعلق بالعدد الفعلي للأيتام ومجهولي النسب، ودور الرعاية التي تؤويهم، إذ توجد أرقام تقديرية لعدد الجمعيات، لكن ليست كل جمعية لديها دار لرعاية الأطفال.

وأثبتت التجربة أن الجمعيات الأهلية باتت قاصرة في تعاملها مع الأطفال، وبعضها يرغب في استغلالهم من أجل التبرعات، وآخرها جمعية “بنت مصر”، التي ثبت أنها تقبل تبرعات دون أن تخطر الجهات الرسمية بها، علاوة على منحها حق الكفالة لأسر دون الرجوع إلى مديرية الشؤون الاجتماعية، كما توجد نماذج لجمعيات تستغل الأطفال، والدفع بهم إلى أعمال التسول.

يظل مصير الملايين من الأطفال معلقا بالنتيجة التي ستصل إليها معركة وزارة التضامن الاجتماعي مع الموروثات الاجتماعية، التي تحول دون تعميم فكرة الأسر البديلة بمصر، وكذلك مدى قدرتها على مواجهة جمعيات الرعاية الاجتماعية، التي تتربح من استدرار العواطف، لجذب المزيد من تبرعات المصريين.

21