الأسرة: المدرسة الأولى لتعليم آداب الحوار وقبول الاختلاف

الخميس 2013/09/05
التدريب على النقاش ينطلق منذ الصغر

القاهرة - غالبا ما تهتم الأسرة بتربية الأبناء وتعليمهم وتوفير مستلزماتهم المادية وتقع في فخ إهمال جانب مهم من التربية السوية؛ وهو تلقينهم أساليب التواصل المتحضر من خلال تدريبهم على آداب الحوار والنقاش وقبول الاختلاف في الرأي.

قالت الدكتورة نبيلة السعدي أخصائية تواصل بالمركز المصري للاستشارات الزوجية والأسرية: إن الأسر العربية تقع في كثير من الأخطاء أثناء تربية أبنائهم، فهم يركزون على تعليمهم آداب الطعام والشراب والاهتمام بالدراسة، غافلين عن تعليمهم وتدريبهم عن أدبيات الحوار والنقاش وأسسه التي من الضروري أن يتربوا عليها، وشددت على ضرورة أن يكون للأسرة مستوى تربوي يمكنهم من اكتساب القدرة على تدريب الطفل على الاستماع للرأي الآخر وتقبل النقد، والإنصات حينما يتكلم الآباء أو الغير، والتعبير عن الرفض والاختلاف بطريقة راقية دون اللجوء إلى أساليب الدلال للضغط على الآباء وفرض وجهة نظرهم من خلال البكاء أو غلق الحجرة على أنفسهم.

وأضافت السعدي، أن الاختلاف ينقسم إلى ثلاثة أنواع، أولاً: الآداب الاجتماعية التي تتمثل في حق كل شخص إبداء رأيه مع قبول الاختلاف في الرأي مع الآخر دون النفور منه، ثانياً: آداب أخلاقية فعندما نختلف مع شخص يقع البعض في فخ الهجوم على الطرف الآخر وقد يصل الأمر إلى العنف والتطاول الشفوي أو المادي، ثالثاً: الآداب العلمية وتتمثل في معرفة حيثيات القضية محور النقاش، ومحاولة إبداء الرأي وفق أسلوب علمي.

وطالبت السعدي، الأسر بأهمية تربية الأبناء منذ الصغر على هذه الآداب وعلى السبل المتحضرة في الاعتراض على القرارات أو المواقف التي لا تروق لهم، ولأن الأبناء يقلدون آباءهم في تصرفاتهم وفي ردود أفعالهم، فعلى كل أب وكل أم أن يتعاملوا مع مشكلاتهم بأسلوب يبتعد عن العصبية وعن التعبير بالألفاظ المرفوضة مجتمعيا، حرصاً على توعية أبنائهم بأهمية الاختلاف الراقي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على سلوك الأبناء فيتقبلون مبدأ الاختلاف مع الآخر ببساطة ويلتزمون بآداب الحوار والنقاش دون الوقوع في سوء الفهم أو الردود العنيفة.

ومن جانبه أوضح الدكتور محمد غازي، الخبير التربوي، أنه على الآباء مساعدة أطفالهم في كيفية التعايش على سياسة الحوار وتقبل الآخر، ومحاولة إيجاد الطرق والأساليب المناسبة والمضبوطة بالآداب أثناء مناقشة موضوع ما مع الأبناء في مختلف مراحلهم العمرية، وأيضاً من المفروض عليهم تفهم البيئة والواقع الذي يعيشه أبناؤهم والذي يختلف تماماً عما عايشوه هم في صغرهم.

وشدد غازي على ضرورة عدم إلقاء اللوم على الأبناء في حال ارتكابهم لأخطاء، كما على الأسرة بشكل عام الابتعاد عن الشدة والعناد، حيث يحاول كل طرف أن يعبر عن وجهة نظره بطريقته الخاصة لكن باحترام متبادل، وعلى الأب عدم استعمال سلطته الأبوية في فرض قراراته عنوة على بقية أفراد العائلة وألا يتوخى سبيل العنف مع أولاده، بل يجب أن يفهم أن المعطيات الاجتماعية تختلف بسرعة وتفرض عليه الحذر في التعامل.

وأوضح الدكتور ثامر البنا خبير التنمية البشرية، أنه عندما يختفي أو يضعف الحوار بين أفراد الأسرة يعلو منسوب الصراع وتبدأ القطيعة بين الأب وأبنائه، فتتعقد الأمور بمرور الوقت وتتصدع الحياة الأسرية، وبالتالي يلجأ الأبناء إلى أصدقائهم لأنهم يستمعون إليهم جيداً ويستطيع الابن تفريغ ما في جعبته من آلام ومعاناة بحرية تامة، ولذلك من المحتمل أن تحل الصديقة محل الأم والصديق محل الأب، وقد يؤدي الأمر إلى انحراف الأبناء وإصابتهم بالأمراض النفسية والاكتئاب. وأشار البنا إلى أنه عندما يختفي الحوار بين الآباء وأبنائهم، يظهر الأبناء بوجهين، الأول: يحاول التصنع أمام والديه بأنه مطيع وهادئ حتى يتجنب وقوع المشاكل مع العائلة.

الحوار العائلي الهادئ يشيع البهجة في الأسرة

أما الثاني: فإن الابن في حال غياب والده عن البيت يظهر بشخصية أخرى فما لم يستطع أن يمارسه أمام والده يمارسه أمام والدته وإخوته.

وأكد أن من علامات غياب الحوار بين أفراد الأسرة يسود الهدوء والسكون في البيت بين الجميع، فكأنما لا توجد مواضيع تهم الجميع وتطرح لمناقشتها وأخذ القرارات بشأنها، وبالتالي فإن الجلسات الجماعية على الطعام أو في المناسبات تكون قليلة وفي حالات قصوى من العزلة بين أفراد الأسرة تكون معدومة، ويدب في وسط هذه الأجواء الكآبة والملل ويتولد شعور عند الأطفال بالضيق من الحياة العائلية فيتجهون للخروج الدائم هرباً من البيت.

وفي رأي الدكتور مجدي عبد الله أستاذ علم النفس بجامعة الإسكندرية، أن الوالدين إذا نجحا في تقديم نموذج حواري يحتذى به أمام أبنائهما فسوف تظهر نتائجه في خلق جو أسري مليء بالحوار والتفاهم بين الجميع، وأكد أن مبادرة الأب أو الأم بسؤال الأبناء عن مشاكلهم يترك أثراً طيباً في أنفسهم؛ لأنه من غير المتوقع أن يبادر الابن بسرد مشاكله لأحد والديه تلقائيا خوفاً من اللوم أو التعنيف خاصة إن ارتكب الأخطاء.

بالإضافة إلى ذلك فإن الآباء مطالبين بتقبل أسئلة أبنائهم حول جميع القضايا التي يطرحونها والتحاور معهم وأخذ آرائهم بكل جدية واهتمام، مثل أخذ رأي الأبناء في اختيار بعض احتياجات المنزل من الخضروات أو الفواكه أو عند شراء سيارة جديدة وأيضاً في حال الخروج من المنزل يجب معرفة رأيهم في المكان الذي تنوي الأسرة زيارته.. وغيرها من الأمور التي تشجع الأبناء على التواصل مع الأسرة حول مشاكلهم الشخصية في المدرسة أو مع الأصدقاء، كل ذلك يجب أن يكون حرصاً على عدم اتساع الفجوة بين الوالدين والأبناء حتى عندما يكبرون.

21