الأسرة المسؤولة الأولى على تطوير موهبة الطفل أو تقويضها

تأخر الوالدين في اكتشاف مواهب أبنائهم يتسبب في ضياع الموهبة، وتعاطيهم مع قدرات الطفل بالسخرية أو المبالغة في الإطراء تضر به.
الخميس 2018/12/13
المساندة تحفز الإبداع

تؤكد العديد من الدراسات العلمية أن وجود الموهبة عند الطفل طبيعي، لكن الفارق في تطوير الموهبة وجعلها مكسبا يحدد المستقبل يكمن في اكتشاف الموهبة أولا ثم العمل على تنميتها وتطويرها، وهو الدور المناط بالوالدين بدرجة أولى ثم ببقية المؤسسات التعليمية والتربوية والترفيهية التي تساهم في نشأته وتكوينه.

القاهرة - يستغرق بعض الآباء والأمهات وقتا طويلا لاكتشاف موهبة أبنائهم، وتحذر العديد من الدراسات من أن التأخر في ذلك قد يتسبب في ضياع تلك الموهبة، فالطفل الصغير في السن لا يدرك معنى أن يكون موهوبا ويجهل طرق تطوير وتنمية مواهبه.  وفي غالبية الحالات يكون السبب في هذا التأخر انشغال الوالدين بمتطلبات الحياة اليومية أو نقص الوعي لديهما بأهمية الاستثمار في مواهب أبنائهما كونها يمكن أن تلعب دورا محوريا في تحديد
مستقبلهم.

ويرى أستاذ الدراسات الاجتماعية نشأت عبدالسميع أنه من حق كل أسرة أن تفتخر بأن في بيتها طفلا موهوبا أو عبقريا، ولكن من المؤكد أنه ليس من حقها أن تجعل الغرور يعرف طريقه إلى وجدان الصغير، الذي وجد نفسه، دون أن يدري، محل إعجاب وتقدير الصغار والكبار. والطفل المتميز قد يكون متميزا لمقدرة عقلية أو ذهنية أو مهارية.

وبرز عالميا العديد من الأطفال الموهوبين الذين اكتسبوا شهرة واسعة بفضل قدراتهم الفائقة، ومن بينهم الجراح الصيني (7 سنوات)، والطفلة البريطانية (3 سنوات) التي انضمت إلى المنظمة العالمية للذكاء، والطفل الكندي كريج كيلبورجر (13 عاما) الذي نجح في أن يكون إحدى الشخصيات التي تسعى الحكومة الكندية إلى إرضائها دائما بسبب مواقفه الحاسمة في الدفاع عن حقوق الأطفال في العالم.

ويضيف نشأت “تتنوع مواهب الأطفال وقدراتهم الفائقة وتختلف بحسب المجالات، فقد يتميز أحدهم في الحفظ السريع في سن مبكرة، كما قد يكون التميز في مجال فني كأن ينبغ في الرسم، أو عزف وتأليف الموسيقى، وقد يبرع في أداء الأدوار التمثيلية في السينما أو في الغناء وغيرها، وفي أغلب الحالات هذا التميز يكون نتيجة لهبة خارجية تضاف إلى قدراته دون جهد حقيقي منه، والمقصود هنا هو نوع التميز الذي يقترن بإبداع متفرد، أما العبقرية فهي أعلى مراتب الإبداع.

حماية مواهب الأطفال واجب على الأسرة والمحيطين بهم، ولكن يحدث في بعض الحالات تحطيم هذه المواهب بالسخرية

ويقول أستاذ الدراسات النفسية بجامعة بنها سعيد إسلام “أحيانا يجد الطفل الموهوب من يسخر منه ولذلك هؤلاء الذين يستهترون بمواهب الطفل يدمرونه حين يحاول استعراضها في مجالات العلوم أو الفنون أو الألعاب الرياضية، مما يؤدي بالطبع إلى تحطيمه وتقويض موهبته لعدم قدرته على الدفاع أو الرد”. كما أن هناك لوما من نوع آخر على الذين يرون في نبوغ الطفل وتفوقه الملحوظ مدعاة لأن يعاملوه كشخص ناضج.

وقد يحرم الطفل، في الحالة الأخيرة، من التمتع بطفولته ومن التصرف بتلقائية الأطفال في سنه، ويطالب أحيانا بالتعامل مع الآخرين وفق قواعد وضوابط يحددها الكبار تفرض عليه لتفقده مع الوقت عفويته وإحساسه بطفولته. وقد تتعاظم المشكلة لدى الطفل، وتحدث له انتكاسة بعد ذلك نتيجة حرمانه من طفولته، كما قد يصيبه الغرور وينشأ غير سوي لإحساسه بأنه قد “اكتمل” مبكرا، بينما هو في الواقع لم يتعد نظراءه في ما عدا مجال موهبته.

ويؤكد إسلام “في بعض القرى المصرية يحدث أن يتفوق طفل صغير في حفظ القرآن والحديث، وبدلا من التعامل معه بأسلوب طبيعي، يتم الاستفادة من موهبته وبعد مراحل من التعلم والدراسة والتحصيل، يحدث أن ينقل المحيطون بالطفل إليه أنه قد بلغ من العلم قدرا لا يُعلى عليه، ومن ثم يلقبونه بالشيخ رغم أنه لم يعرف الشباب بعد، بل ويستفتونه في أمور الدين والدنيا”.

وبسبب هذه الممارسات غير الصائبة يقف النمو المعرفي للطفل عند هذا الحد، كما ينشأ مغترا بذاته، وقد تؤثر نجومية الطفل المبكرة على شخصيته، وتجعله يتصرف بأسلوب غريب، كما قد تدفعه إلى التحدي نتيجة إحساسه بأنه لا يقل عن الأشخاص الكبار، وأنه أفضل من أقرانه ومن كل المحيطين به.

أطفال

ويوضح أستاذ الطب النفسي أنور الأتربي الطرق الصحية التي يجب أن تتبع في معاملة الأطفال المتميزين أو الموهوبين لأن حماية أصحاب المواهب من الأطفال أمر ضروري وواجب على الأسرة وكل المحيطين بهم، ولكن الذي يحدث في بعض الحالات هو تحطيم هذه المواهب عن طريق السخرية منهم وتسفيه ما يقومون به من عمل.

ويلفت الأتربي إلى المشكلة الأكبر هي اكتشاف موهبة الطفل في الأساس، وتنميتها بعد ذلك بصورة سليمة، ويعتبر أن دراسة شخصية النابغة واجبة على الأسرة والباحث الاجتماعي والنفسي والمجتمع ككل، فلا يجب أن يدمر أحد بقصد أو عن غير قصد هذه الشخصية النابغة في الطفل، كما لا يجب أن ينقل أحد الإحساس إليها بتفوقها أكثر من الحد المطلوب لكي لا تصاب بالغرور.

ويشبّه أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، عبدالفتاح بدور، الطفل في مرحلة النمو بالرغم من تفوقه في أي مجال، بالصفحة البيضاء، التي يسهل تدوين كل شيء عليها. لذلك فإن كلمة ضده أو في صالحه يكون لها أثر كبير في توجيه حياته كلها وأسلوبه في التعامل مع الآخرين وعلى ذلك، فمن واجب الأسرة ألا تحاول هدم موهبة الطفل، كما أن عليها ألا تعطيه المؤثرات التي تؤدي به إلى الغرور الذي قد يقوده إلى انتكاسة محققة.

ويفسّر بدور أن الطفل العبقري يكون قد اكتمل في مجال أو نضج فيه، ولكنه في بقية المجالات يبقى طفلا عاديا، وإذا ما تعاملنا مع الطفل الذكي على أنه قد بلغ النضج وصار كبيرا فإن ذلك يكون بمثابة أن نطلب من طالب السنة الأولى بكلية الطب أن يصف العلاج ويكتب وصفات الأدوية للمرضى دون أن يكمل دراسته، وفي هذا مخاطر بالغة.

موهبة

 

21