الأسرة المصرية تواجه الغلاء بالاستغناء عن الضروريات

تأثيرات غلاء الأسعار تنعكس على مزاج وسلوكيات الآلاف من أرباب الأسر في مصر، حيث يسهم العجز المادي للأسر في انتشار الظواهر السلبية.
الأحد 2018/07/01
انكماش شديد في أولويات الأسر

القاهرة - أكثر ما يخشاه محمد قنديل، وهو معلم من حي المطرية في شمال القاهرة، أن يأتي اليوم الذي يحرم فيه ابنته مريم، صاحبة العشرين عاما، من نصف مستلزمات زواجها، أمام قلة الحيلة لتوفير احتياجاتها قبل عرسها، بعد القفزات المتتالية في أسعار السلع. عندما اضطر قنديل إلى العمل في وظيفة ثانية (سائق تاكسي)، بعد انتهاء اليوم الدراسي، لم يستطع طمأنة ابنته التي أصبحت تخشى أن ينتهي العرس قبل أن يبدأ، وتفشل خطبتها أمام إصرار والدة خطيبها على شراء كامل مستلزمات منزل الزوجية المتفق عليه بين العائلتين قبل عامين.

قنديل، عنوان لأسرة كانت من الطبقة المتوسطة التي تآكلت بمرور الوقت وأصبحت من البسطاء، وراتبه كان يكفي التكاليف البسيطة لعائلته حتى نهاية الشهر، لكن الغلاء الذي تفشى في أسعار السلع والخدمات، غيّر مسار حياته كليّا، وظهرت على ملامحه مظاهر الشيخوخة المبكرة.

وقال قنديل “أصبحت مجبرا على الاستغناء عن شراء أكثر الضروريات لتوفير أدنى متطلبات الحياة”، وأخشى أن تأتي اللحظة التي أفعل فيها مثل شقيق زوجتي الموظف بإدارة المرور، ويتقاضى مبالغ مالية غير مشروعة من المواطنين نظير قضاء خدماتهم، بذريعة صعوبات المعيشة.

ينقل هذا الخمسيني عن شقيق زوجته، أنه يتقاضى 1800 جنيه (100 دولار) من الحكومة شهريا، ولديه أربعة أبناء جميعهم في مراحل التعليم الجامعي، ومن شدة معاناته لم يعد يخجل من طلب أموال من المواطنين الراغبين في إنهاء إجراءات تراخيص سياراتهم، على طريقة: أين الهدية؟ هي رشوة لكنه يسميها هدية.

مشكلة العجز المادي للكثير من الأسر أمام ارتفاع الأسعار، وفق حديث سامية الساعاتي خبيرة علم النفس الاجتماعي مع “العرب”، أنها تفتح الباب على مصراعيه لانتشار الظواهر السلبية مثل الكسب غير المشروع كالرشاوى والعمولات والسرقات والبلطجة، ما يهدم القوام الأسري برمته.

ورفعت الحكومة المصرية مؤخرا أكثر أنواع السلع والخدمات التي تمس صميم حياة الناس، مثل مياه الشرب والكهرباء والمحروقات وتذاكر مترو الأنفاق والقطارات، وبمستويات قياسية، بدعوى الإصلاحات الاقتصادية، وتقول إن ذلك أمر حتمي لا غنى عنه، وعلى المواطنين الصبر إلى حين جني ثمار هذه الإصلاحات.

لا ينكر رب الأسرة أنه أصبح محبطا، ويقول “كثيرون مثلي من أصدقائي.. أنا أعلن إفلاسي شهريا بعد أسبوعين من استلام الراتب من المدرسة، وأعجز عن توفير احتياجات أسرتي التي تتألف من أربعة أبناء، وقررت إخراج ابني أحمد صاحب الـ15 عاما من المدرسة كي يتعلم حرفة”.

الأسر الفقيرة أصبحت تلجأ إلى أبنائها للمشاركة في توفير المال، ومن بالمدرسة يخرج ومن يأخذ دروس خصوصية يمتنع عنها

كثيرا ما يتوقف عقل عابد عند توزيع ما بحوزته من مال على الأولويات، فهو إذا استمر في دفع تكلفة انتقالات ابنته غادة التي تذهب بشكل يومي إلى أحد مراكز إتقان اللغات الأجنبية كشرط لتوظيفها بإحدى الشركات، وتحتاج شهريا 900 جنيه (50 دولارا)، فلن يستطع شراء دواء زوجته المريضة بداء السكري. وطال تأثير الغلاء على هذه الأسرة، إنها أصبحت منشغلة فقط بحل مشكلاتها الاقتصادية، وهدم كل شيء له علاقة بالعاطفة، والتفكير فقط في طريقة جلب المال وتحجيم مصادر إنفاقه، حيث قررت إخراج أحمد من المدرسة، بذريعة أن “التعليم لم تعد له أولوية، فالأموال هي الأهم”.

وترتفع نسب التسرب من التعليم بين الأسر البسيطة والقاطنة في مناطق ريفية وشعبية، إذ لم يعد التعليم ضمن ضروريات بعض هذه الأسر، ووفق إحصائيات وزارة التربية والتعليم، هناك أكثر من مليون طالب متسرب، معظمهم خرجوا من التعليم لمساعدة أسرهم في توفير لقمة العيش.

وقالت راندة حلاوة، وكيلة وزارة التعليم لشؤون المتسربين لـ”العرب”، “عندما ذهبنا إلى بعض الأسر لإقناعها بعودة أبنائها إلى المدارس مقابل دعمها ماديا بنحو 600 جنيه شهريا، ردت أغلبيتها بسخرية، “لا قيمة لهذا المبلغ أمام مكاسب ابننا من الحرفة التي يعمل بها”، رافضة الاستجابة.

بنفس المنطق، يفكر جمال عابد، وهو أب لأسرة مكونة من أربعة أبناء ثلاثة منهم في مراحل التعليم المختلفة، لأنه حارس عقار، ولم يعد بمقدوره الوفاء بمستلزمات دراستهم، وأصبح يبحث لهم عن ورش لإلحاقهم بها ومساعدته في الوفاء باحتياجات الأسرة.

وقال “أكثر الأسر الفقيرة أصبحت تلجأ إلى أبنائها للمشاركة في توفير المال بأي طريقة، فمن بالمدرسة يخرج ومن يتحصل على دروس خصوصية يمتنع عنها.. أنا لم تعد لي حاجة إلى التلفاز لأنه يستهلك الكهرباء، ولدي شقيقة متزوجة في صعيد مصر قامت ببيع مختلف الأجهزة الكهربائية لترشيد الإنفاق وقررت العودة إلى العصر القديم بالعيش بأشياء بسيطة”.

أسرة جمال تأكل البروتين على فترات متباعدة، قد تستمر لأشهر، لأن ما تجمعه من مال يكاد يكفي الحد الأدنى من احتياجاتها، بعدما تسبب ارتفاع أسعار مشتقات البترول في غلاء كل ما له علاقة بالمحروقات، حتى أن هاتف جمال المحمول أصبح يتلقى المكالمات فقط، لعجزه عن توفير ثمن كارت الشحن.

التجول لدقائق قليلة في الأسواق الواقعة بمنطقة سكن أسرة جمال (حي الحلمية شمال القاهرة)، يكفي لاكتشاف انعكاس الغلاء على تقسيم أسعار السلع، إذ لأول مرة يتم بيع هياكل الدواجن لمن يعجز عن شراء دجاجة، ويقول إكرامي عيسى صاحب أحد المحال “هذه الهياكل أصبحت تباع أكثر من الدواجن نفسها، فالبسطاء أكثر عددا”.

هذا الانكماش الشديد في أولويات الأسر ووصلوها إلى أدنى درجة، وفق كلام الدكتورة الساعاتي، ينذر بنشوء جيل من الشباب على عدواة المجتمع لأنه نشأ على الحرمان القاسي، ما يؤثر على اتجاهاته ومشاعره لأنه يكبر ولديه شعور بالحقد والكراهية تجاه الآخرين، وتكون النتيجة زيادة الاتجاهات العدوانية والسلوك المنحرف والنظرة بعداء إلى كل أسرة ميسورة الحال.

18