الأسرة المعاصرة على درب الاستقلالية المادية والمعنوية

الأحد 2017/08/13

تكوين أسرة جديدة في مجتمعاتنا الحديثة من الأمور العصية على التنفيذ في ظل العراقيل والصعوبات التي تعترض الشبان والشابات المقبلين على الزواج، وذلك لأمرين على الأقل؛ أولهما صعوبة توفير الاعتمادات المالية لإتمام مشروع الزواج في ظلّ التحولات العميقة التي شهدتها تركيبة المجتمعات والأسر الحديثة. وثانيا اضمحلال مفهوم الأسرة التقليدية بمقاييسها الشاملة والجامعة.

الأسرة كغيرها من المكونات الاجتماعية والحضارية لم تسلم من رياح التغيير العاصفة التي هبّت على البشرية في النصف الثاني من القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين. المنتجات العلمية والتقنية سرّعت الحياة وقوّضت ثوابتها المعرفية والمادية، مما انعكس على بنية الأسرة التي فقدت مقوّماتها التقليدية التي كانت راسخة لقرون من الزمن.

كانت الأسرة في ما مضى سقفا يجمع ثلاثة أجيال؛ الأجداد والآباء والأحفاد، حيث كانت تخضع في تركيبتها لنظام هرمي قائم على الترابط والتماهي، نفسيا وماديا وفكريا وقيميا، بين جميع أفرادها. فالأسرة التقليدية توسم بأنها متماسكة، موحدة الأهداف والغايات والموارد المالية. الكل يعمل من أجل المجموعة، لا أنانية ولا انتهازية ولا استئثار، تنتفي الذاتية بكل مظاهرها، وكأني بهذا النمط من التركيبة الأسرية يختزل “المقومات القبلية” التي لا تعترف إلا بالجماعة ككتلة موحدة ومستقرة وفق نظام هرمي لا يعترف بالفرد إلا في إطار ما يقدمه للمجموعة.

التحولات الحضارية الناتجة عن تطور نسق الحياة وتعدد الاهتمامات والمشاغل وتنوع المتطلبات النفسية والمادية، كلها عوامل ساهمت في تقويض النظام الأسري التقليدي الشامل والمنغلق، وأرست نظاما أسريا جديدا ينزع نحو الاستقلالية والذاتية. ولكن هذا الشكل على قدر ما ساهم في إكساب الأسرة استقلاليتها المالية والنفسية والعاطفية على قدر ما ساهم في إثقال كاهلها لكثرة ما يتطلبه العيش في أسرة قليلة العدد، وفي ظروف مادية صعبة.

المعيقات عديدة ولعل أبرزها توفير ما يلزم من مال لتكوين أسرة، فالشاب يخوض معركة فعلية شبيهة جدا بما كان يجري في ساحات الوغى من كرّ وفرّ. كل الشبان والشابات المنتمين إلى الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة يلاقون الويلات من أجل توفير المال الكافي لإقامة حفل زفاف ومن ثمة تكوين أسرة.

تبدأ الرحلة من البحث عن مصادر التمويل وطابور الانتظار والبيروقراطية الفجة، إذا كان الممول أحد البنوك التي تشترط بقوانينها ونظمها ارتهان الشاب لسنوات ليسدّد أصل الدين والفوائض التي تجعل المبلغ المتحصل عليه يتضاعف. أما إذا كان الشاب يمتهن الأعمال الحرة أو لدى الخواص ولا يمكنه التمتع بالقروض، فإن المسكين يشقى لأجل توفير المبلغ المطلوب ويحرم نفسه لسنوات من كل الكماليات ويعيش على الكفاف.

رحلة الشقاء والعناء تتواصل من أجل تأجير البيت الذي سيكون عش الزوجية، ويصعب الأمر ويتشعب خاصة في المدن الكبيرة المكتظة والمزدحمة ولا بد من الاستعانة بـ“سمسار”، وإذا وُجد المحلّ بعد بحث مضن، فيجب توفير مبلغ التسويغ الذي شهد ارتفاعا مهولا في ظل ندرة المحلات المعدة للكراء واضطرار المسوّغين. ثمّ يقع تأمين ضعفي مبلغ التسويغ كضمان لإصلاح ما أتلف من المنزل عند الخروج أو المغادرة.

أما العقبة التالية فتتمثل في شراء حليّ الزوجة باهظ الثمن وفي تأثيث البيت بعد كرائه، وللزوجة رأي يجب أن يحترم في الموضوع، وعليه يضطر أغلب المقبلين على الزواج إلى اللجوء للشراء بـ“التقسيط” ويتضاعف بذلك الثمن الأصلي للشراء.

في ما يخص مصاريف إقامة حفل الزفاف فلا يمكن لأيّ أحد تحديد المقدار المالي الضروري لذلك ولا يمكن لأيّ دراسة ما قبلية أن تحدد جميع المصاريف بدقة لأن المفاجآت كثيرة وغير منتظرة، ولا يسلم الأمر أحيانا من المشادات الكلامية والمشاحنات بين عائلتي المتزوجين لأتفه الأسباب.

وبقراءة نقدية لتركيبة الأسرة التقليدية أو الحديثة نستنتج أنه رغم الفوارق والاختلافات إلا أن كلا النموذجين لا يخلوان من إيجابيات وسلبيات، فالنمط التقليدي من ميزاته الحفاظ على تماسك الأسرة وتوطيد العلاقات بين أفرادها والتضحية في سبيل المجموعة والتعاون والتآزر للقيام بالأعمال الجماعية وتقاسم الأفراح والأتراح. أما ما يعاب على هذا النموذج أنه يطمس ذاتية الفرد ويجعله مرتهنا لقرارات المجموعة ما يؤثر سلبا على الخصوصية ويحدّ من المبادرة الشخصية.

أما النمط المعاصر للأسرة فكان نتاجا منطقيا لطبيعة الحياة اليومية. فالنمط الحديث للأسرة أكسب أفرادها الاستقلالية والتعويل على الذات وتحمّل المسؤولية، ولكن الأمر لا يستقيم إلا إذا تشارك الزوجان في توفير المصادر المالية لتغطية المتطلبات المادية للعيش اليومي، ولا يتمّ ذلك إلا إذا ضحى الأبوان واجتهدا كثيرا من أجل إسعاد أبنائهما الذين لا يتجاوز عددهم في أغلب الأحيان طفلين أو ثلاثة. ومن المساوئ أيضا أن حديثي الزواج لا يجدان من يؤطر حياتهما في بدايتها فيرتكبان الحماقات والأخطاء، لنقص الخبرة وعدم القدرة على التعايش السلمي المشترك، فيواجهان صعوبات في التواصل ما قد يقودهما إلى الطلاق أحيانا.

عموما ليس غريبا أن تتغير تركيبة الأسرة والأكيد أيضا أن هناك صعوبات جمّة تعترض طريقها ولكن الحلول لتجاوزها متوفرة طالما اهتدى الزوجان الجديدان إلى ضرورة التعاون دون اعتبار للفوارق الجنسية المزعومة بين الرجل والمرأة.

كاتب تونسي

21