الأسرة المغربية تنتفض لمواجهة التحرش الجنسي بالأطفال

تتحمل الأسرة المسؤولية في حماية طفلها من التعرض للاعتداء الجنسي الذي بات ظاهرة تعاني منها جل المجتمعات، وفي الإحاطة به من جميع النواحي إذا تعرض للتحرش. ويساهم وعي المجتمع بفداحة الاعتداء على الطفل والسعي إلى حملات توعية، في الحد من تفاقم هذه الظاهرة وفي حماية الطفل من الاعتداءات الجنسية التي تخلف له مضار نفسية وجسدية على المدى القريب والبعيد.
السبت 2016/03/12
حرب ضد كوارث المجتمع

الرباط- تنتشر ظاهرة التحرش الجنسي بالأطفال في جل المجتمعات، إلا أنها في المجتمعات العربية تعتبر من الظواهر المسكوت عنها رغم تفاقمها، وتلعب التوعية بفداحة هذه الظاهرة دورا فعالا في حماية الطفل من وحشيتها والحد منها.

ومثل باقي الدول العربية ظل الحديث عن الاعتداءات الجنسية على القصر ولفترة طويلة من بين الطابوهات في المجتمع المغربي، الشيء الذي ساهم في إفلات المتورطين في مثل هذه الاعتداءات من المتابعة القضائية، وانتفاء شروط الحماية القانونية والأخلاقية للطفولة المغربية وللمجتمع برمته.

فالصمت الذي ظل يصاحب ظاهرة الاعتداء الجنسي على القصر، كان يوازيه صمت آخر ظل يستفز الضمير الحي لفئة عريضة من أفراد المجتمع الذين لم يستسيغوا استشراء هذا الفعل المؤذي في المجتمع المغربي الجدير بأن تترعرع طفولته في بيئة اجتماعية ونفسية سليمة، ومن هؤلاء الأفراد الفاعلة الجمعياتية نجاة أنور، مؤسسة ورئيسة جمعية “ما تقيش ولدي”.

منذ سنة 2004، تاريخ تأسيس هذه الجمعية، إلى حد اليوم، ظلت نجاة أنور تتنقل من مدينة إلى أخرى ومن قرية إلى أخرى عبر مختلف مناطق التراب المغربي، جاعلة من نفسها أمّا بالتبني لكل الأطفال الذين تم المساس بكرامتهم، ساعية إلى إقناع الأسر المغربية التي تعرض أبناؤها القاصرون للاعتداء الجنسي بالانتفاض ضد الصمت، وصون كرامة أبنائها من تسلط العابثين ببراءتهم.

ومن جملة الملفات القضائية التي راجت أمام المحاكم المغربية وتتبعتها جمعية “ما تقيش ولدي” القضية التي هزت الرأي العام الوطني والدولي سنة 2004، والمعروفة بملف عبدالعالي الحاضي، الذي كان يقتل الأطفال القصر في مدينة تارودانت بعد الاعتداء الجنسي عليهم، حيث كانت الجمعية بمثابة السند القوي لأولياء الضحايا، أثناء أطوار المحاكمة، وكذلك بعد انتهائها.

تعمل جمعية "ما تقيش ولدي" من أجل التنبيه إلى خطورة الاعتداءات الجنسية على القصر

ولم تكتف نجاة أنور بربط الاتصال بعائلات الأطفال المعتدى عليهم، بل سعت دائما إلى إقناع المحامين بضرورة الانخراط في تبني قضايا الاعتداء على حرمة الطفولة، حيث تعتبر أن ذلك من صلب المهام الموكولة لأصحاب البدلة السوداء، واستطاعت بذلك أن تدفع بالعديد من المحامين، في مختلف الهيئات عبر التراب الوطني، إلى الانخراط في تبني قضية الدفاع عن الطفولة المغربية، بل بادر عدد من المحامين بطلب العضوية في جمعية “ما تقيش ولدي”.

وحرصا منها على جعل ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال القصر قضية رأي عام في المجتمع المغربي، أقدمت السيدة نجاة أنور على توظيف مختلف أشكال التواصل، علاوة على اللجوء إلى مختلف السبل القانونية الممكنة لتوسيع دائرة الوعي بخطورة الاستمرار في الصمت إزاء هذه الظاهرة المشينة.

وكما استجاب المحامون لنداء الضمير، استطاعت نجاة أنور استقطاب عدد من الفنانين والرياضيين، الذين يحظون بتقدير وحب كبيرين لدى الجمهور المغربي، لتبني قضية الدفاع عن الأطفال القصر الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر نجم الشاشة الكبيرة والصغيرة، الفنان عبدالقادر مطاع، إلى جانب اللاعب السابق للمنتخب الوطني لكرة القدم الموهوب صلاح الدين بصير.

وإلى جانب إقناع المحامين ومشاهير الفن والرياضة بتبني قضية الدفاع عن القصر ضحايا الاعتداءات الجنسية، بادرت نجاة أنور بزرع التوعية بهذه الظاهرة وسط الجمهور العريض، وكذلك وسط فئات المثقفين، وذلك عبر إقامة أروقة تواصلية لجمعية “ما تقيش ولدي” في بعض التظاهرات والمهرجانات الفنية والثقافية، ومن ضمنها على سبيل المثال لا الحصر “مهرجان أكادير الدولي للسينما والهجرة”.

ومن أجل توسيع دائرة الدفاع عن الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية، وتقريب خدمات الجمعية منهم، بادرت نجاة أنور بوضع رقم هاتفي مجاني رهن إشارة العموم وفي مقدمتهم الضحايا وأسرهم. كما فتحت المجال لاستقبال الشكايات عبر البريد الإلكتروني، وصفحة المنظمة عبر الفيسبوك.

جمعية "ما تقيش ولدي" مازالت تستشرف المستقبل بأمل وتتطلع نحو غد أفضل لفائدة الطفولة المغربية

وبعد مرور أزيد من عشر سنوات على تأسيس جمعية “ما تقيش ولدي”، وتمرسها في الدفاع عن القصر، أصبحت اليوم نجاة أنور تتوق إلى جعل هذه المنظمة المدنية قوة اقتراح تساهم، بتشاور مع خبراء وأخصائيين، في الدفع باتجاه تغيير بعض القوانين الزجرية التي تسري على المتورطين في الاعتداء على الأطفال القصر.

ومن ذلك مثلا مطالبة الجمعية باعتبار جريمة الاعتداء الجنسي على القصر جناية وليست جنحة، وذلك بغض النظر عن ثبوت استعمال العنف والإكراه من عدمه عند ارتكاب الفعل الجرمي، حيث تعتبر الجمعية أنه من غير المعقول القول إن فعل الاعتداء الجنسي يتم دون عنف.

وإلى جانب ذلك، تسعى رئيسة “ما تقيش ولدي” إلى جعل الجمعية حاضرة وبقوة خارج الحدود الوطنية، وهذا ما تأتى لها بعدما باشرت متابعة بعض القضايا التي كان مواطنون أجانب ضحايا فيها، كما تقدمت بشكاوى ضد أجانب في بلدانهم الأصلية بعدما تورطوا في اعتداءات جنسية على أطفال قاصرين في المغرب.

وتؤكد السيدة نجاة أنور أن جمعية “ما تقيش ولدي” مازالت تستشرف المستقبل بأمل وتتطلع نحو غد أفضل لفائدة الطفولة المغربية، حيث تسعى الجمعية في هذا السياق إلى تثمين الشراكة التي تربطها مع وزارة الصحة في مجال مواكبة وعلاج الأطفال الذين تعرضوا لاعتداءات جنسية.

كما تعمل الجمعية في الظرف الراهن على إنجاز دليل لفائدة المتعاملين مع الأطفال من أجل تسهيل عملية تحسيسهم وتوعيتهم بخطورة الاعتداءات الجنسية على القصر ،إضافة إلى إنجاز أفلام قصيرة، وأشرطة وثائقية قصد توعية الجمهور الواسع بخطورة التجني على الطفولة.

وتعتبر جمعية “ما تقيش” ولدي مثالا يقتدى به ويستحق أن يتواجد في جميع الدول لتشجيع الأسر على الإفصاح عن أسوأ أنواع الأذى الذي يلحق بالطفل وهو التحرش الجنسي، لأن الصمت يشجع الجناة على التمادي في ارتكاب جرائمهم.

21