الأسرة تتبوأ دور الريادة لصد تغلغل الفكر المتطرف في المجتمع

الأحد 2017/11/12

التطرف الديني أو العنصري ظاهرة اجتماعية لم تخل منها المجتمعات الحديثة رغم الاختلافات الثقافية والحضارية العميقة التي تميزها عن بعضها البعض، وبذلك يمكن وسمها بالظاهرة العالمية أو الكونية.

فالهجومات الإرهابية -مهما كان مأتاها- مسّت جميع أصقاع العالم تحت يافطات متعددة؛ إسلامية ويمينية متطرفة وعنصرية، رغم أن الإعلام العالمي وإمبراطورياته المالية المتنفذة يقرن -عن وعي ونية مبيتة- الإرهاب بالمسلمين دون تمييز بين من يتبنى الإرهاب كعقيدة وبين من يتبنى إسلاما وسطيا معتدلا يدعو إلى التعايش السلمي بين الجميع دون اعتبار للمعتقدات أو الفوارق الاجتماعية.

أما بقية الهجومات التي ترتكب من يمينيين أو عنصريين فيطلق عليها الإعلام الغربي المتنفذ “حالات معزولة” و”من قام بها مصاب باختلال نفسي” وما شابه من الأوصاف.

ما يهمنا في هذا الموضوع هو تقصّي الأسباب الحقيقية الكامنة وراء انخراط الآلاف من الشباب في جميع المجتمعات العربية والإسلامية، مع اختلاف الأعداد والنسب طبعا، في هذه الظاهرة، والغريب في الأمر أنها تفشت واستفحلت بعد الثورات التي اندلعت في عدد من الدول العربية بدءًا بتونس في يناير 2011. هل ظاهرة الإرهاب “موضة” الثورات التي طالبت أساسا بالحرية والديمقراطية؟ أم للتربية الأسرية والاجتماعية دور في ذلك؟ أم للسياسات ما بعد الثورات والتي عجزت عن توفير الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي والاقتصادي؟ أم لوسائل الإعلام وانفلاتها ما بعد الثورات؟ إنها أسئلة حارقة وموضوعية تُورّط الأسرة والمجتمع معا في صياغة الفكر التكفيري والذي قاد إلى الممارسة العنيفة في أقصى حدّ ممكن لها.

قد لا يكون للأسرة أيّ تأثير على أبنائها في ما يخص اعتناق الأفكار المتطرفة فيكون الوالدان بعيدين كل البعد عن التعصّب والدغمائية اللذين يقودان حتما إلى ممارسة الإرهاب الفكري والمادي، ولكن العائلة تتحمّل وزر انخراط أحد أبنائها في التطرف لأنها لم تقم بواجبها التربوي الذي اعتقدت أنه لا يتعدّى توفير الماديات الضرورية للعيش اليومي.

تناست العائلة، جهلا أو سهوا أو لامبالاة، أن الدور الأهمّ الذي يجب أن تضطلع به هو دور المرافقة بما يعنيه المصطلح من مراقبة وتوجيه دائمين لتصويب الأخطاء إن وقعت وتحصين النشء من الانزلاق في متاهات الأفكار والسلوكيات المتطرفة.

فكلما كانت المرافقة لصيقة ومدروسة دون اعتماد العنف بأشكاله ودون مصادرة شخصية الابن أو الابنة ما يدفعهما إلى التمرّد، تكون النتائج إيجابية فالقيم التي يتعلّمها الطفل في بيئته الأسرية تكون مرجعية في شبابه بنسبة محترمة جدّا.

ومن الأكيد أن طرق الوقاية الأسرية من انخراط الأبناء في مسارات التطرف والإرهاب عديدة؛ أولها -كما أسلفنا القول- المرافقة العلمية والمدروسة، وثانيهما إرساء دعائم الحوار المثمر والبنّاء، وثالثها محاولة جعل الأطفال يتشبعون بقيم المواطنة القائمة على التسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر وقبول الاختلاف كقاعدة أساسية لهذا التعايش. أما الأهم من كل ذلك إبراز الصورة السمحة للإسلام التي تحرّم قتل النفس البشرية بغير وجه حقّ.

فالإسلام يدعو في النص القرآني وفي أحاديث السيرة النبوية بما لا يدع مجالا للشك إلى حسن المعاشرة وحسن الجوار واحترام الاختلاف العقائدي ووضع شروطا واضحة للتعامل مع أهل الكتاب ولم يدع مطلقا إلى سفك دماء المسلمين وغير المسلمين لأن الإنسان مهما علا علمه وارتفعت درجة معرفته لا يمكنه تكفير الآخرين ولا يحق له ذلك فكيف يحلل قتلهم؟

ففي الإسلام وفي كل الأديان السماوية وحتى الوضعية هناك جوانب اجتماعية تنظم العلاقات البشرية ولا تدعو إلى القتل والتقتيل تحت أي ذريعة كانت.

إذن فأدوار الأسرة والمجتمع أدوار متشابكة تكمل بعضها بعضا، فتهذيب الفكر والعقل عن طريق الثقافة والأدب والعلم والفهم الصحيح للنصوص الدينية بعيدا عن التأويلات المجحفة والمؤدية إلى نبذ الآخر لاختلافه أو لمعارضته أو لنقده، كلها عوامل تحصّن الشباب من التغرير بهم.

ولا يمكن للأسرة أو للمجتمع بمؤسساته المدنية أن يقوما بأدوارهما في التربية والمرافقة السليمة إذا ما بقي القائمون على السلطة والحكم متفرجين وعاجزين عن استيعاب هؤلاء الشباب وجعلهم ينخرطون بإيجابية في الدورة الاقتصادية ليضمنوا الحدّ الأدنى للعيش الكريم. فالذين انخرطوا في ممارسة الإرهاب يبرّون ذلك بالفقر وضيق ذات اليد بالإضافة إلى التهميش الممنهج من طرف السلط الحاكمة التي عجزت عن الإيفاء بوعودها السياسية والانتخابية.

وعليه لا يمكن التصدي للتطرف والإرهاب على مستوى الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية والشارع إذا لم تتكاتف جهود كل الأطراف بما فيها الأمنية، ولا يمكن للمعالجة الأمنية وحدها القضاء على التطرف كما لا يمكن للأسرة أو المجتمع دون تشارك أن يكونا صدا منيعا أمام تغلغل الأفكار الهدامة.

كاتب تونسي

21