الأسرة حائط الصد الأول أمام الألعاب القاتلة

ألعاب هدفها عزل الطفل عن المجتمع والأسرة ، ودار الإفتاء المصرية تحرم المشاركة في لعبة "الحوت الأزرق".
السبت 2018/04/07
الانعزال فالاكتئاب وأخيرا الانتحار

القاهرة - فتحت لعبة “الحوت الأزرق” جبهة قتال عريضة أمام الأسر العربية لتشديد الرقابة على المضامين التي يتعرض لها أبناؤها، بعدما ارتفع عدد ضحايا اللعبة القاتلة إلى ثمانية في الجزائر ومثلهم في تونس وواحد في كل من المغرب والسعودية، وأخيًرا دخلت مصر على الخط لتسجل أول حالة قبل يومين.

وأصدرت دار الإفتاء المصرية، الخميس، فتوى بتحريم المشاركة في اللعبة التي أدت إلى انتحار الكثير من المراهقين مؤخرًا في مختلف دول العالم.

وطالبت “مَن استُدرج للمشاركة في اللعبة بأن يُسارِعَ في الخروجِ منها”، مناشدة الآباء “مراقبة سلوك أبنائهم وتوعيتهم بخطورة هذه الألعاب القاتلة”.

جاء تصرف دار الإفتاء عقب انتشار الهلع الذي أشاعته الضحية المصرية. وهذه الضحية هي مراهق، ونجل حمدي الفخراني -برلماني سابق ومحام شهير- أكدت عائلته أن الانتحار ليست له علاقة بالمشاكل الأسريّة. واتهمت “الحوت الأزرق” بعدما عثرت على متعلقات اللعبة التي تتضمن إشارات وعلامات غريبة في غرفته.

اشتقت اللعبة على شبكة الإنترنت اسمها من أضخم حيوانات العالم الذي يصل طوله إلى ثلاثين مترا ووزنه نحو 180 طنا، في رابطة معنوية بين مصير لاعبيها، وظاهرة انتحار الحيتان طواعية على الشواطئ.

تبدو الأنماط الجديدة من الألعاب الإلكترونية قاتلا يزحف ليلا إلى فراش الأطفال، ينتقي وقت مداهماته بعناية في غياب الأسرة.

تبدو اللعبة سخيفة لدى دخول الكبار إلى عالمها لكنها تختار متابعيها بعناية، فمعظمهم بين سن الـ8 والـ14، ويعانون من انعزال مجتمعي أو مشكلات أسرية، لتبدأ اللعبة في سد الفراغ، مطالبة من يدخل إليها بسلسلة طلبات طفولية في البداية إلى أن تتعقد الأمور.

 على مدار 50 يومًا، تبدأ اللعبة في التسلل إلى عقول الأطفال في غياب الأسرة بداية من اختيار توقيت لعبها عند الساعة 4.20 فجرًا ورسم حوت على اليد باستخدام أداة حادة، وجروح طولية على الساعد، بجانب عدم التحدث مع أي شخص من العائلة طوال اليوم.

تنتقل اللعبة إلى مراحل المغامرة أولاً بفتح ثمرة من البصل دون بكاء، مرورًا بالجلوس على السطح مع ضرورة ترك الساقين مدليين على الحافة، وتسلق رافعة، والمشاهدة المنفردة لمقاطع فيديو مخيفة ليلاً والاستماع إلى موسيقى كئيبة يوميًا، وبسبب سذاجة الأطفال يخشون الخروج إثر تهديد اللعبة لهم بقتلهم أو قتل أقاربهم.

ويقول خبراء علم النفس إن اللعبة ترتكز على خلفيات قديمة للأطفال منها مشاهدة أفلام الرعب التي تحمل تأثيرات سلبية على الصحة النفسية، خصوصًا مع تطور التكنولوجيا وصناعة أفلام الخيال العلمي، التي تمتلئ بها القنوات وتصيب الطفل بحالة من فقـدان التمييز بين الواقع والخيال.

ومشاهدة الأطفال والمراهقين الصغار التلفزيون دون رقابة أسرية تجعلهم غير قادرين على التمييز بين العنف الحقيقي والعنف الافتراضي على الشاشة، فتتحول الأحداث الدامية التي تقع في العالم الحقيقي ويشاهدونها في الأخبار إلى أشياء عادية، مثلها مثل أفلام الحركة، فيعتادونها، وهو ما تعزف على وتره ألعاب الرعب.

ويضع الخبراء وصفة تتضمن إرشادات من خلالها يمكن ملاحظة الطفل، أهمها إذا بدأ في إغلاق باب غرفته ووضْعِ صورٍ غريبة على صفحته في فيسبوك، والإقبال علي مشاهدة أفلام الرعب، والشرود في الشرفات، وأخيرا الإصابة بنوبات غضب أو التغيير المفاجئ لأنشطته المعتادة خصوصًا مواعيد النوم.

ويقول الدكتور رامز طه، استشاري الطب النفسي، إن فكرة اللعبة تقوم على عزل الطفل عن المجتمع والأسرة التي يعيش فيها حتى يسهل توجيهه بدون صوت آخر ينصحه، ودفعه إلى الإدمان على العالم الافتراضي ورفض الواقع بمشكلاته، والتحول إلى شخص يتسم بالعنف تجاه المحيطين به.

ولا توجد إحصائيات حول عدد ضحايا اللعبة عالميًا لكن ثمة تقارير قدرتهم بنحو مئتي طفل ومراهق في العالم، استنادًا إلى بلاغات عائلات الضحايا أو أصدقائهم الذين أكدوا مشاهدتهم أثناء تنفيذ تعليمات “الحوت الأزرق”.

وأضاف، لـ”العرب”، أن تلك الألعاب تستهدف الانطوائيين في المقام الأول الذين يتسمون باندفاعهم وميلهم إلى العنف والتهور لإثبات أنهم أفضل من أقرانهم وتسليط الأضواء عليهم، بجانب فترة عمرية تتسم بصراع داخلي وتغيرات جسدية وبداية تشكل مشاعر تجاه الآخر، وهنا يجب أن تقوم الأسرة بدورها في استيعاب التغيرات التي يمر بها الأطفال والمراهقون.

مشاهدة الأطفال للتلفزيون دون رقابة أسرية تجعلهم غير قادرين على التمييز بين العنف الحقيقي ونظيره الافتراضي

وأوضح أن مصممي تلك الألعاب يصلون بالشخص الذي يلعبها إلى درجة الإيهام أو الضلالات والهلاوس الشبيهة بالمرضى النفسيين التي تدفعهم إلى الانتحار، بجانب غريزة الفضول وحب التجربة والتحدي والرغبة في الانتصار والمكسب الشخصي؛ فالكثير من ضحايا تلك الألعاب كان لديهم إيمان عميق بأنهم يستطيعون الانتصار عليها.

يشار إلى أن مصمم لعبة “الحوت الأزرق” طالب علم نفس في روسيا تم طرده من جامعته ويدعى فيليب بوديكين، وقال بعد إلقاء القبض عليه إن ضحاياه كانوا مجرد نفايات بيولوجية وهدفه تنظيف المجتمع منهم.

وأشار الدكتور محمد مدكور، خبير المعلومات، إلى أن التأثير الحاد للألعاب الإلكترونية على الأطفال نتاج لإتاحة التكنولوجيا للأطفال دون رقيب أسري، وتفشي السطحية والجهل في المجتمعات العربية، وغياب منظومة الأخلاق التي تشكل جميعها مراهقين ضِعاف الشخصية ويسهل التأثير عليهم.

وليست لعبة “الحوت الأزرق” هي الوحيدة التي تم تخصيصها لاستهداف الأطفال والمراهقين، بل تزامنت معها لعبة “مريم” التي يدور موضوعها حول طفلة تاهت وعجزت عن معرفة طريق العودة إلى منزلها، وتريد من المستخدم أن يساعدها لكي تعود، لكنها تعتمد على البعد النفسي وأجواء من الرعب تثير لدى الأطفال الاكتئاب أيضا.

وقال، لـ”العرب”، إن فكرة حجب الألعاب الخطيرة أصبحت صعبة في ظل تنامي التكنولوجيا ووسائل التواصل الإلكتروني بين الشباب، إضافة إلى أن تلك الألعاب يقف خلفها حاليا فريق من الخبرات العلمية والنفسية والسيكولوجية للتأثير على الآخرين وجذبهم بل والوصول بهم إلى حالة شبيهة بالروبوت الذي يتم التحكم فيه عن بعد ودفعه إلى الانتحار.

وتقدم محامٍ يدعى حسن عبده ببلاغ للنائب العام المصري، يناشده فيه إصدار قرار من وزارة الاتصالات بحجب اللعبة، والألعاب المشابهة لها من على مواقع الإنترنت، داعيًا مجلس النواب إلى إصدار تشريع يعطي صبغة قانونية لمواجهة مثل هذه الألعاب.

ولا تزال الأسرة هي خط الدفاع الأول إزاء “الحوت الأزرق” وشقيقاتها من الألعاب القاتلة، ما يوجب على الآباء فتح قنوات اتصال متتالية مع أبنائهم، ومنحهم مساحة كافية للتعبير عن مشاعرهم  وآرائهم وتتبع تغيرات أنماط سلوكهم ومعرفة أسبابها.

21