الأسرة سبب رئيسي في إصابة الطفل بالخجل

الأحد 2014/09/28
من الأسرة تبدأ أول محاولات التغلب على الخجل

القاهرة - الخجل ظاهرة نفسية تسيطر على مشاعر الإنسان وأحاسيسه منذ الطفولة، وتؤدي إلى بعثرة طاقاته الفكرية وتشتت قدراته العقلية، وتنال من إرادته في السيطرة على سلوكه وتصرفاته تجاه الآخرين.

أكد أطباء نفسيون أن التدليل الشديد للطفل أّهم ما يصيبه بالخجل وعدم القدرة على التعامل مع أقرانه وبالتالي يشعر بالنقص مقارنة بغيره من الأطفال، كما أن التشدد في معاملة الطفل وتكرار زجره وتأنيبه لأتفه الأسباب ومحاولة تصحيح أخطائه بأسلوب قاسٍ أمام الغير يصيبه بانعدام الثقة في النفس.. الأمر الذي يؤدي لتحويله إلى طفل مريض بالخجل؛ وهناك أسباب أخرى أهمها وجود مشاكل صحية أو عيوب خلقية لدى الطفل مثل ضعف البصر أو إصابته بنوع من الإعاقة أو معاناته من قصور في النطق أو الطريقة التي يتحدث بها مثل “التأتأة” مما يجعله يشعر بأنه أقل من أقرانه فيحاول الابتعاد عنهم ولا يشاركهم نشاطهم.

يقول الدكتور محمد عبداللطيف أستاذ علم النفس: “عقدة الخجل وانفعالاتها النفسية تختلف من فرد إلى آخر، لتعدد العوامل والظروف التي تحيط بحياة كل طفل، إلا أن الأسرة، صاحبة التأثير الرئيسي، هي التي تتسبب قبل غيرها في إصابة الطفل بالخجل، الذي يجعله إنسانا غير فاعل في مجالات متعددة من حياته الاجتماعية؛ فمثلا يتسبب الشجار الدائم بين الأب والأم في أن تسيطر على الطفل مخاوف غامضة تجعله لا يشعر بالأمان وتؤثر على نفسيته، وقد يصل به الأمر إلى الانطواء والخجل من مجرد التحدث أو التعامل مع الآخرين فالطفل لا يولد خجولاً، وهذا الاضطراب السلوكي يظهر بعد بلوغه سن الخامسة. وهناك أنماط من الأطفال أكثر عرضة للإصابة بهذه الإعاقة السلوكية من غيرهم، وهم أصحاب الحساسية العالية أكثر من اللازم”.

ويضيف الدكتور عبداللطيف: “للخجل عدة أشكال فهناك الخجول الذي تحمرّ بشرته، أو الذي يصفرّ لونه أو تضيع منه الكلمات، ويمكن أن ينعكس ذلك على صحة الطفل البدنية ويصيبه ببعض المشاكل الصحية، فنجد بعض الأطفال الخجولين يعانون من اضطرابات الهضم أو من إحساسات بالاختناق أو تصلب العضلات، وهذه المشاكل بدورها تزيد من خجلهم، وهناك أطفال يحاولون تعويض هذا النقص بتظاهرهم بالخشونة أو المرح المبالغ فيه أو باللامبالاة، وهناك من يدفعهم هذا الخجل ليكونوا عدوانيين أو ساخرين، وجميع هذه السلوكيات تصبّ في إناء واحد هو رغبتهم في التخلص من إحساسهم بأنهم أقل من الآخرين”.

وعن أضرار الخجل وطرق علاجه يحدثنا الدكتور محمد غانم أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس قائلا: “من أهم أضرار الخجل أن الطفل لا يندمج في الحياة فلا يتعلم من تجاربها، فهو يمتنع عن الاشتراك مع أقرانه في نشاطهم، بل يتسم بالجمود والخمول وسط محيطه المدرسي، ويتجنب الاتصال بغيره، كما أنه لا يرتبط بصداقات مستديمة، وينزعج من أي نقد يوجه إليه، ولذلك يكون محدود الخبرات لدرجة قد يصبح معها عالة على نفسه ومجتمعه لابتعاده عن الغير وانطوائه.

يتسبب الشجار الدائم بين الأب والأم في أن تسيطر على الطفل مخاوف غامضة تجعله لا يشعر بالأمان وتؤثر على نفسيته

ومن الأسرة تبدأ أول محاولات التغلب على الخجل، كما أثبتت الدراسات العلمية، لذا فإن للآباء والأمهات دورا مهما في تنمية شخصية الأبناء، وتشجيع الطفل الخجول على مقابلة ضيوف الأسرة والتحدث معهم فتعويده على الاختلاط بالناس من صغره له جانب كبير الأهمية، حتى لا يعيش الطفل منطوياً؛ ومن ثمة يصعب عليه التكيف مع الآخرين.. أيضاً تعويد الطفل على تكوين صداقات مع أقرانه وتشجيعه بكل الطرق على الاشتراك في الأنشطة المختلفة، رياضية واجتماعية وثقافية وفنية بالأندية، كما ينبغي أن يساعد الآباء أبناءهم في زيادة ثقتهم بأنفسهم، حيث أن الطفل الخجول غالباً ما يكون ضعيف الثقة بنفسه، فمن الضروري أن يوكل للطفل القيام بمهام والتصدي لمواقف يمكن أن تمنحه الثقة والإحساس بالمسؤولية”.

أما الدكتورة سامية الساعاتي أستاذة علم الاجتماع فترى أن علاج الخجل يتحقق من خلال ثلاثة عناصر أولها تهيئة الجو الآمن الودي عن طريق الألفة والطمأنينة، فكلما تحدث الطفل عن مشاكله مع الكبار حوله وكلما أفصح عمّا يساوره من مخاوفه اطمأن اطمئناناً كاملاً لأحد الكبار ممن حوله، وهذا لن يتحقق إلا إذا شعر الطفل بالتشجيع ممن حوله. أمّا العنصر الثاني فهو تعريف الطفل على أكبر عدد من الناس على اختلاف نوعياتهم حتى يستطيع أن يندمج مع نماذج الحياة الاجتماعية، وإذا كان الطفل يعاني من مشكلة صحية فإنّ معاملته تكون على أساس غرس الثقة في نفسه والاعتراف بقدراته الأخرى كمهاراته في أداء الواجبات وذكائه مثلا، مما يمنحه الثّقة بالنفس على أساس أن لكل إنسان عيوبه ونقائصه، ونقنعه أن الإنسان القويّ هو الذي ينتصر على عيوبه ولا يلتفت إليها دائما.

أما العنصر الثالث فهو عدم دفع الطفل للقيام بأعمال تفوق طاقته الجسمية أو العقلية، بل يجب أن ننتقي له الأعمال التي يستطيع القيام بها، وندفعه إليها لتكسبه شعورا بالأهمية في نظر نفسه ونظر الآخرين حوله، وبالتالي ننمّي فيه شعور الانتساب إلى البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها.

أما الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة فيقدّم عدة نصائح للأمّ لتساعدها في التغلب على خجل طفلها فيقول: “يجب أن تعلم الأمّ طفلها في سن مبكرة كيف يقيم علاقات اجتماعية مع الآخرين، وكيف يتواصل مع المجتمع الخارجي، وتمنحه من وقت إلى آخر فرصة لاستقبال أصدقائه في المنزل أو زيارتهم إذا كان يرغب في ذلك وتمنحه أيضاً فرصة للتعبير عن نفسه أمام الجميع، بأن تطلب مثلاً إلقاء نشيد أو سرد حكايته على مسامع ضيوفها وأمام أصدقائه. وتساعده على التحكم في خياله وكيفية التمييز بين الواقع والخيال، وتثبت له أن الأخطار التي يخشاها كلها من صنع خياله ولا وجود لها في الواقع. أيضاً من الضروري أن تسأله عن هواياته وما إذا كان يحب الاشتراك في دروس للرسم أو في ناد رياضي للتدريب على كرة القدم، أو تسجل اسمه في إحدى الدورات التدريبية التي تناسب ميوله، وتهتم بتعليمه كيفية التنفس بشكل سليم في المواقف المثيرة للقلق، وأن تعهد إليه بالقيام ببعض المسؤوليات والمهام المنزلية البسيطة، وتمنحه الفرصة لاتخاذ القرارات البسيطة وتشجعه وتشد من أزره، وتدفعه إلى الأمام وتساعده على إتمام أي نشاط يكون قد بدأ فيه”.

21