الأسر الأفغانية تدفع بأبنائها للعمل في الشوارع تحت سطوة الفقر

تدفع الظروف المعيشية الصعبة والهشاشة الاقتصادية بالأسر الأفغانية إلى الزج بأبنائها في الشوارع إما للتسول وإما للقيام بالأعمال العشوائية مثل مسح السيارات عند توقفها في إشارات المرور. ويذهب الأطفال في عمر التعلم والدراسة ضحية الفقر وضحية الفساد المستشري في مفاصل الدولة، ولا يحظى إلا القليل بفرص التعلم والتمتع بطفولته إلى جانب دوره في توفير مورد رزق إضافي للأسرة.
الأربعاء 2017/05/24
العمل أولا والتعلم ثانيا

كابول – يعيش أغلب سكان العاصمة الأفغانية كابول في العشوائيات والأحياء الفقيرة. وتعتمد الآلاف من الأسر القاطنة بالعاصمة على الأطفال كمصدر لكسب دخل إضافي يساعدها على إعالة أفرادها، وتعتبر أبناءهم وسيلة لمواجهة الفقر. وهذا ما يفعله والدا عوميد وهارون وهما طفلان يقضيان أغلب ساعات اليوم في الشارع لكسب المال لمساعدة عائلتيهما على العيش ومجابهة الظروف المعيشية الصعبة.

وبالرغم من أن كابول تعد من أسرع المدن نموا في العالم، إلا أن سكانها يعيشون تحت ضغط الحاجة والفقر بسبب استشراء الفساد.

ويقضي عوميد يومه متجولاً بين إشارات المرور في كابول بأفغانستان، يمسح السيارات بقطعة قماش مهترئة، وفي نهاية اليوم يعود الطفل ذو السبعة أعوام إلى منزله حاملاً معه النقود التي حصل عليها لأبيه، حتى لا يضطر هذا الأخير لبيع قطعة أخرى من أثاث المنزل ليشتري بثمنها المخدرات.

أما هارون فقد بدأ العمل في إشارات المرور وهو في السادسة من عمره. حيث يجول بمبخرة حول السيـارات لمباركتها وطرد الأرواح الشريرة عنهـا عندما يتسلل دخـان البخـور من نـافـذة الـسـيارة إلى داخـلهـا.

وحصل هارون في أفضل يوم عمل له على 1000 أفغاني أعطته إياها سيدة من نافذة سيارتها المصفحة. ولكن في المعتاد، يحصل هارون يومياً على أقل من 100 أفغاني.

الآلاف من الأسر القاطنة بالعاصمة تعتمد على الأطفال كمصدر لكسب دخل إضافي وتعتبر أبناءهم وسيلة لمواجهة الفقر

حظي عوميد وهارون بفرصة ثانية في التعلم على عكس العديد من أقرانهما في الشوارع، ويتوجهان خلال اليوم إلى منزل كبير في جنوب المدينة، يدرسان فيه مع العشرات من الأطفال الآخرين، الذين يتعلمون في هذه المدرسة العديد من المهارات مثل فنون الدفاع عن النفس وغيرها من المهارات الحياتية كالطبخ ونحت الخشب في العديد من الفصول الدراسية وورش العمل.

وتتعلم الفتيات في غرفة أخرى نسج السجاد باستخدام النول، وتنبعث أصوات الفتيات اللاتي يتعلمن نطق الحروف من الغرفة المجاورة. وفي الصالة الرياضية تحت الأرض، تتعلم الفتيات والفتيان فنون الدفاع عن النفس.

ويأتي إلى المدرسة حوالي 150 طالبا يوميا حيث يتلقون تعليمهم على أيدي 25 معلما بحسب ما أفاد عبدالباقي سامندار مؤسس المدرسة لصحيفة الغارديان البريطانية.

قد لا يبدو الأمر صعبا، لكن سامندار يقول إنه كثيرا ما يجد صعوبة في إقناع الآباء والأمهات بالسماح له بإعطاء أطفالهم الطعام المجاني والتعليم المدرسي لإبعادهم عن الشارع “أقول لهم دائماً أعطوا أبناءكم حقهم في الدراسة والتعلم. لماذا يجب عليهم البقاء في الشارع للحصول على لقمة العيش؟”.

ويؤكد مؤسس المدرسة أنه لا يتلقى أي تمويل من الحكومة أو مساعدات مالية من المنظمات غير الحكومية الأجنبية، وكبديل لذلك تعمل مدرسته على جمع تبرعات من الأصدقاء في الخارج، حيث أنه عاش في ألمانيا منذ عدة سنوات، وأيضاً تبحث عن الدعم عبر المتبرعين المحليين من رعاة المدرسة، مثل محلات الطباعة، التي تتبرع بالورق المهمل.

ويقول سامندار، وهو ناشط مجتمعي يبلغ من العمر 60 عاما وصحافي سابق، إن عدد الأطفال الذين يتجولون في شوارع كابول قد تزايد بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي.

في كابول، يعيش ما يقرب من ثلاثة أفراد من بين أربعة في مساكن غير رسمية، حيث يحتشد الوافدون في "جيوب الفقر"

ويرجع ذلك إلى فشل خطط إنعاش الاقتصاد التي وضعها الرئيس الأفغاني أشرف في أولوياته عند توليه مؤسسة الرئاسة، بعد انسحاب القوات الأجنبية عام 2014 وانهيار منظومة التنمية، وقد فشلت تبعا لذلك مخططات الإصلاح الحضري والسكني.

وبحسب برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، أصبحت المدن الأفغانية “أماكن طاردة ومعادية للشباب”. ومع ذلك، لا يُنظر إلى المدن الأفغانية على أنها فرص وإنما يُنظر إليها على أنها فقط أماكن آمنة للعيش.

وتعرضت العاصمة خلال العام الماضي إلى المزيد من الضغوط بسبب الطرد القسري لأكثر من 600 ألف أفغاني من باكستان، وأيضاً بسبب تهجير عدد كبير من الأفغان بسبب الصراع المتزايد.

ويقول هيرفي نيكول، المدير المشارك لمؤسسة صموئيل هول، وهو استشاري أنهى دراسته عن أطفال الشوارع في أفغانستان، الذين يلتحق بعضهم بالمدرسة خلال يومهم “يتم الزج بهم إلى الشارع لممارسة التسول. ولا يرى الوالدان، إن لم يكونا متعلمين، أن هناك تناقضا بين العمل والمدرسة. من وجهة نظرهما، يمكن للأطفال التسول لمدة 10 ساعات والذهاب إلى المدرسة لمدة خمس ساعات فقط. وحتى لو فعل الأطفال ذلك، فلن يستفيدوا من الأمر شيئاً بسبب الصدمات النفسية الاجتماعية التي يتعرضون لها وفقدان طاقة الاستيعاب لتحصيل أي شيء من المدرسة”.

يقول هارون، البالغ من العمر 13 عاما “لم أفهم أي شيء في المدرسة في وقت سابق، ولكن الآن أتعلم بأكثر سرعة”.

ومنذ عام 2001، ازداد عدد سكان كابول بأربعة أضعاف ووصلوا إلى ما يقرب من 6 ملايين نسمة. ومن المتوقع أن يزداد عدد سكان الحضر في أفغانستان إلى الضعف خلال 15 عاماً. وفي كابول، يعيش ما يقرب من ثلاثة أفراد من بين أربعة في مساكن غير رسمية، حيث يحتشد الوافدون في “جيوب الفقر” بحسب ما يطلق عليها هيرفي.

12