الأسر الجزائرية تبحث عن سبل التكيف مع الأزمة الاقتصادية

التضامن لا يحجب سلوكيات الأنانية والخوف مما يخفيه المستقبل.
الثلاثاء 2021/09/14
توفير المتطلبات الأساسية للحياة أصبح صعبا

أجبرت ظروف الوباء والغلق جل العائلات الجزائرية على المكوث في بيوتها والتكيف مع الوضع الجديد، حتى أن أغلبيتها تخلت عن قضاء عطلاتها الصيفية خارجا واكتفى أطفالها بمرافقة الإنترنت. وباتت جل الأسر تتفرغ لتأمين استمرار حياتها وتلبية الحد الأدنى من الأساسيات اليومية، في ظل الارتفاع الفاحش في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

الجزائر - وضعت الأزمة الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة في البلاد الأسرة الجزائرية أمام حتمية التكيف مع الوضع الجديد على حساب الحاجات الأساسية لأفرادها، وهو ما تجلى من خلال تغير الأنماط المعيشية والسلوكية، خاصة خلال المواسم الاجتماعية الكبرى كالإجازة السنوية والدخول المدرسي وحتى الأفراح العائلية والأعراس.

يتحجج الكثير من أرباب الأسر الجزائرية بوباء كورونا وبإجراءات الحجر الصحي المطبقة في البلاد لإقناع أطفالهم بالاكتفاء هذا الصيف بقضائه بين جدران البيت أو مشاهدة التلفزيون، وفي أحسن الأحوال اللعب بالألواح الإلكترونية والكمبيوترات والهواتف للمحظوظين المرتبطين بشبكة الإنترنت.

وتساوت غالبية العائلات الجزائرية خلال هذا الموسم بين تلك التي تقيم في الساحل وبين التي تقيم في الداخل أو الصحراء، وبين التي أجبرتها ظروف الوباء والغلق على المكوث في بيوتها، وبين الغالبية الفقيرة التي تعودت على اعتبار الإجازة السنوية من الكماليات الاجتماعية.

الأسر الجزائرية وجدت نفسها تحت رحمة تجار الماء، فانضاف بذلك عبء جديد إلى الأعباء الثقيلة على موازنتها المهترئة

ولَئِن كان الوضع استثنائيا بالنسبة إلى البعض ويمكن تعويضه متى تحسنت الأوضاع الصحية في البلاد فإن آثار الأزمة الاجتماعية والاقتصادية ظهرت على غالبية العائلات الجزائرية التي باتت تتفرغ لتأمين استمرار حياتها وتلبية الحد الأدنى من الأساسيات اليومية، في ظل الارتفاع الفاحش في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

ولأول مرة تقر الكثير من الأسر بالتنازل الطوعي عن النمط المعيشي السائد خلال السنوات الأخيرة، فوجود الحليب صباحا على موائد الإفطار لم يعد مهما للبعض منها بسبب ندرة المادة في الأسواق ومحال المواد الغذائية وغلاء النوعية الرفيعة منها التي تتجاوز القدرة الشرائية لهذه الأسر.

ولم تعد الطوابير سلوكا اجتماعيا محرجا للكثير من الجزائريين في ظل تناسخ الندرة من مادة إلى أخرى، فبعد أزمة الحليب والزيت خلال الأشهر الماضية امتدت العدوى إلى الطحين والخبز، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان سيناريو الأزمة الاجتماعية في تسعينات القرن الماضي، ولم تعد الطوابير أمام المحال والمخابز أمرا مثيرا، فالقاعدة لدى هؤلاء هي “إذا عمت خفت”.

وقال رب عائلة، فضل عدم كشف هويته، لـ”العرب” إنه “لم يعد محرجا له الاصطفاف في الطوابير من أجل الحليب أو الخبز أو لقاح لطفل رضيع”، مشيرا إلى أن ذلك يستنزف وقتهم وحياتهم، وأن الحياة تغيرت والسلوكيات تبدلت، وهم أمام تغييرات عميقة.

وتابع “الوقت صار بلا قيمة عندنا، فقد قضيت ساعات من أجل تلقيح طفل رضيع في مصحة حكومية، ويمكن أن تقضي ساعات لسحب راتبك من البريد، وساعات أخرى للحصول على الحليب أو الخبز؛ يعني يمكن أن تقضي يوما كاملا تتغيب فيه عن عملك لأجل قضاء حاجيات بسيطة”.

وفرضت الأزمة المستشرية تقاليد اجتماعية وتغييرات كثيرة، وإذا كانت الحاجة أم الاختراع فندرة ماء الشرب كانت فرصة ذهبية لورشات تصنيع البلاستيك، حيث ازدهرت تجارة الخزانات المائية الخاصة خلال الأشهر الأخيرة، لكنها كانت عبئا جديدا على تكاليف الحياة لدى الأسر الجزائرية، بعدما وجدت نفسها أمام حتمية التزود بخزانات وأوان من حجم كبير لتخزين الماء.

تراجع القدرة الشرائية بسبب ارتفاع الاسعار
تراجع القدرة الشرائية بسبب ارتفاع الاسعار

وأمام فشل السلط المختصة في حلحلة هذه الأزمات دخل التضامن الاجتماعي على الخط، وبات يمثل البديل النهائي لمواجهة الأوضاع المستعصية، فبعد أزمة الأكسجين الصحي في المستشفيات الحكومية خلال الموجة الثالثة من وباء كورونا توجهت الأعمال إلى حفر الآبار من أجل توفير الماء للسكان في الأحياء والقرى.

وفي ضاحية الحيز (شرقي العاصمة) تمكن أحد المحسنين من حلحلة أزمة ندرة المياه بشكل كبير، بعد حفره بئرا ارتوازية بإمكانياته الخاصة، وبما أن كمية الماء المستخرج كبيرة جدا تم ربطها بشبكة التوزيع العمومية، وصار سكان الضاحية يتزودون بالماء مرة كل يومين، بعدما كانوا يقضون أياما بلياليها دون ماء.

لكن ذلك لا يحجب فصيل الانتهازيين والطفيليين، فقد ظهرت فئة تجار الأكسجين والماء وكل المواد النادرة، ووجدت الكثير من الأسر الجزائرية نفسها تحت رحمة تجار الماء، فانضاف بذلك عبء جديد إلى الأعباء الثقيلة على موازنتها المهترئة أصلا.

وروى مالك مقهى شعبي في العاصمة لـ”العرب” أنه لما أبلغه بائع الخضار بتكلفة قفة الخضار تظاهر أمامه بوضعها جانبا ليعود إليها بعد لحظات، وأطلق رجليه للريح لأنه لم يكن يملك ثمنها ولا هو قادر على توفيره، وشدد صاحب المقهى قائلا “لقد فرضت نمطا غذائيا على الأسرة تماشيا مع الوضع الجديد، رغم أنني صاحب مقهى، ولا أخفي عليكم سرا إذا قلت لكم إن عائداتها نزلت إلى ربع ما كان في السابق، ولم يعد غريبا أن تضبط زبونا لا يملك ثمن فنجان القهوة، أو يحاول التحايل عليك”.

لقد أفرزت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية سلوكيات جديدة لدى الأسر الجزائرية، فلئن أسهمت في بروز قيمة التضامن والتسليم بضرورة مراجعة نمط الحياة الجماعية فإنها في المقابل أفضت إلى سلوكيات سلبية لدى أفراد هذه الأسر كالأنانية والانتهازية وتراجع قيمة التعاون والتآزر حتى بين الأشقاء، فقد يغرق أحدهم في تكاليف عرس أو مشروع شخصي لكن أشقاءه لا يساعدونه فالخوف مما يخفيه المستقبل هيمن على الجميع.

وحتى حملات تبادل الكتب الدراسية التي كانت تتم عشية كل دخول مدرسي، ليتم التبرع بها للأطفال المعوزين، اختفت من واقع الأسر الجزائرية؛ حيث صار الوضع شبيها بسوق للمواد المستعملة يتم خلالها بيع وشراء تلك الكتب، لأن أصحابها عادة ما يكونون من عائلات لا تقدر على اقتناء كتب جديدة من المكتبات، لكن الحاجة ولدت لديها سلوكا أنانيا بعدما كانت هذه الحملات مؤشرا على التضامن والتكافل.

21