الأسر العربية تواجه تحديات تهدد تماسكها

الأسرة وحدة في النظام الاجتماعي الذي ظهر منذ بدايات الخليقة، وقد مرت بعدة مراحل شهدت خلالها تطوّرات كبيرة سواء على مستوى حجمها وهيكلها، أو على مستوى العلاقات بين أفرادها، أو من حيث وظائفها ودورها في المجتمع.
الجمعة 2015/06/05
بناء مجتمع سليم اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا يبدأ بأسرة مترابطة

الأسرة مرآة تعكس المجتمع الذي تنشأ فيه من واقع حضارته ومستوى تقدّمه، ومن هنا كان الترابط الأسري من أبرز سمات المجتمعات العربية، وما يميّزها عن غيرها من المجتمعات الغربية في النواحي الأسرية والعلاقات الاجتماعية، وهو ما جعل المجتمع العربي قويا ومترابطا أمام الهزات المتتالية، كون نواته وهي الأسرة صلبة وتمارس دورها بفاعلية وإيجابية، وهذا ما تفتقده المجتمعات الغربية، التي طغت فيها النزعة المادية على حساب الأسرة كما طغت على كل شيء تقريبا، مما جعل تلك المجتمعات لا تحمل من واقع الأسرة إلا مسماها فقط.

وتوصّلت دراسات اجتماعية عربية إلى أن نسبة الترابط الأسري في الدول العربية تتراوح ما بين 70 و75 بالمئة، في حين تنخفض هذه النسبة في الولايات المتحدة إلى 40 بالمئة، وترتفع قليلا في المجتمعات الأوروبية ما بين 45 و50 بالمئة، وقد أكدت الدراسة أنه على الرغم من ازدياد معدلات الطلاق في الدول العربية، إلا أن الأسرة العربية لا تزال متماسكة في المجمل ومحافظة على وجودها ودورها في المجتمع.

يقول الدكتور عاصم عبدالمجيد، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة: المجتمعات العربية والإسلامية تتفوّق على نظيراتها الغربية في تكوين الأسرة وترابطها، والقدرة على إنشاء مجتمع قوي ومترابط، لافتا إلى أن الأسرة في الدول العربية هي مصطلح وفعل، بينما في الدول الغربية هي مجرد مسمى تواجده محدود على أرض الواقع.

وتابع: الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تقوّم المجتمع وتحفظ قيمه وعاداته وثوابته. موضحا أن الترابط الأسري في المجتمعات العربية يساهم في إخراج فرد سوي نفسيا إلى المجتمع، وهو ما يفسّر تراجع الأمراض النفسية في الدول العربية عنها في الدول الأوروبية، كما يرجع انتشار الشذوذ والأفعال المشينة في الغرب إلى الانهيار الأسري الذي يسير بالتوازي مع الانهيار الأخلاقي.

إذا كانت الأسرة مفككة وضعيفة تفرز مجتمعا هشا يفتقد إلى كل مقومات القوة، ويكون معرضا للانهيار أمام أي هزات اجتماعية

ويشير الدكتور عبدالمجيد إلى أن الأسرة في الدول العربية بدأت تواجه العديد من التحديات التي تهدّد ترابطها ودورها في المجتمع، ومن أبرز هذه التحديات الظروف المعيشية، وعمل المرأة، وتهميش دور الأمومة والعلاقات الزوجية، بالإضافة إلى المشاكل الأسرية وارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة، فضلا عن العولمة والإعلام ووسائل الاتصال الحديثة، التي أثّرت سلبا على العلاقة بين أفراد الأسرة وتسبّبت في إضعافها.

بينما يوضح الدكتور أحمد زياد، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن الحضارة الغربية اهتمت بالمادة في المقام الأول على حساب الإنسان والقيم التي تُعتبر المكونات الأساسية للأسرة، وهو ما انعكس بشكل سلبي على مفهوم الأسرة في الغرب، وجعلها ضعيفة ومفكّكة، وفاقدة لمضمونها ودورها في المجتمع، لافتا إلى أن تلاشي دور الأسرة في المجتمعات الغربية جعل النشء بلا هوية ولا قيم ولا أخلاق؛ مما أفقده الكثير من مقومات الإنسان، وجعل غرائزه هي المحرّك الرئيسي له، مؤكدا ألا حضارة دون أسرة، فالأسرة هي نواة الحضارة.

ويضيف الدكتور زياد: أدوار وآثار الأسرة تناسبت مع تطوّرها وقيام الدولة المعاصرة، فقد كانت الأسرة تقوم بجميع الوظائف الاجتماعية والاقتصادية في الحدود التي يسمح بها نطاقها، وبما تقتضيه ظروف المجتمع وحاجاته، لافتا إلى أن للأسرة آثارا كبيرة على الدولة تتعدّى دورها الاجتماعي والأخلاقي لتشمل دورا اقتصاديا بل وسياسيا، وبالتالي فإن ضعف الأسرة يعني انهيارا تدريجيا لكل هذه المجالات.

نسبة الترابط الأسري في الدول العربية تتراوح ما بين 70 و75 بالمئة، وفي المجتمعات الأوروبية ما بين 45 و50 بالمئة

ومن جانبها، تؤكد الدكتورة سميرة جعفر، الباحثة بمركز الدراسات والبحوث الاجتماعية بالقاهرة، أن الأسرة هي نواة المجتمع، وينعكس مستوى صلابتها وترابطها بشكل مباشر على ترابط المجتمع، فإذا كانت الأسرة مفككة وضعيفة أفرزت مجتمعا هشا يفتقد لكل مقومات القوة، ويكون معرّضاً للانهيار أمام أيّ هزات اجتماعية، والعكس صحيح، فالمجتمعات المترابطة والقوية اجتماعيا تكون الأسرة فيها قوية وذات أواصل صلبة ومتينة، لافتة إلى أن الأسرة هي خط الدفاع الأول عن المجتمع وصمام الأمان له.

وأضافت: الأسرة هي مصنع المجتمع، التي تخرج له أفراده ويتكوّن بداخلها مكوناته، ومن ثم فإن بناء مجتمع سليم وقوي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا يبدأ بأسرة قوية ومترابطة، مشيرة إلى أن الترابط الأسري ودرجة التقارب بين الآباء والأبناء يؤثر بشكل مباشر على سلوكيات المجتمع ومستواه الأخلاقي والعلمي، حيث نجد أن المجتمعات التي يتوفر فيها مفهوم الأسرة تتمتّع بالسلوكيات الراقية والتقدّم العلمي وعلاقات اجتماعية جيدة.

ووضحت الدكتورة سميرة أن الأسرة في المجتمع المعاصر هي امتداد طبيعي للأسرة في المجتمع القديم مع بداياتها الأولى مرورا بالعصر الإسلامي، الذي كانت له بصمات واضحة على ترابط الأسرة وتقوية العلاقة بين أفراد العائلة، وفي النواحي التربوية والاجتماعية، لافتة إلى أن الأسر كانت كبيرة الحجم، ثم أخذ يضيق نطاقها وحجمها تدريجيا، حتى وصلت إلى هذا القدر من الضيق الذي نراه في المجتمعات الغربية، حيث تتعمّد الأسر في الولايات المتحدة وأوروبا أن تعهد بحضانة أولادها إلى بعض المؤسسات الحكومية أو الأهلية، باعتبار أن عمل الوالدين يحول دون التفرّغ الكامل لرعاية الأبناء والاهتمام بشؤونهم، وهو ما كان له أثره البالغ في التفكّك الأسري وضعف العلاقات الاجتماعية في المجتمعات الغربية.

21