الأسر المتدينة.. خلايا احتياط في خطط الجماعات المتطرفة

رجال الدين يقفون عاجزين أمام مُعضلة تخليص الآباء والأمهات من الموروث القديم.
الخميس 2019/07/11
العائلات تصدق كل من يتحدث باسم الدين

تتعدّد وسائل الاستقطاب لدى الجماعات المتطرفة، فالارتكاز على الأيديولوجيا أو استغلال الأوضاع الاجتماعية الهشّة من طرف هذه الجماعات بات شيئا متّفقا عليه، لكن توجد معضلة أخرى لم تستطع إلى الآن جل المجتمعات العربية وخاصة رجال الدين معالجتها وتكمن في كيفية تغيير الموروث القديم لدى الأسر المتديّنة التي تحث أبناءها على الالتزام الديني دون متابعة أو توجيه ودون مراقبة لعلاقاتهم بالمحيط الخارجي ما يجعل من التنظيمات المتطرفة تنظر إلى هذه الأسر على أنها خلية احتياط يتم توظيفها عند الحاجة.

القاهرة – تجد المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية في مصر صعوبات جمّة في تغيير الموروث القديم للآباء والأمهات المتعلقة بتربية أبنائهم، في ظل الأخطار الفكرية المتنامية التي يواجهها الصغار الذين تعترضهم رسائل متعددة من وسائط مختلفة تتطلب توعية سليمة في وقت يتضاءل فيه دور الأسرة تدريجيا في غالبية المجتمعات العربية.

وأغلب الرسائل التي يوجهها رجال الدين تستهدف مكافحة التطرف في المجتمع بشكل عام، من دون أن تخترق تفاصيل التنشئة الفكرية السليمة للصغار، وعدم الاهتمام بتوعية الآباء والأمهات دينيا واجتماعيا بتحصين أبنائهم من الأفكار التي تحاصرهم سواء في المدارس أو في محيطهم العائلي أو السكني وكذلك طوفان رسائل الاستقطاب التي يتعاطون معها بشكل لحظي عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

محمد عبدالعاطي: الشيوخ يقْصرون تعاملهم مع المجتمع على الجوانب الدينية
محمد عبدالعاطي: الشيوخ يقْصرون تعاملهم مع المجتمع على الجوانب الدينية

وتستفيد التنظيمات الإرهابية من النزعة الطبيعية لدى الآباء والأمهات في التربية الدينية لأبنائهم والتي تشجع الأطفال وتحثهم على التدين أو الالتزام الديني، وبالتالي فإن هذه الجماعات تنظر إلى الأسرة باعتبارها خلية تنظيمية جاهزة للتجنيد لصالحها عبر اتخاذ التدين كذريعة لاختراقها، ويكون ذلك خاصة في المناطق التي تتحرك بها العناصر المنتمية إلى جماعات الإسلام السياسي بحرية.

ورغم التضييق الأمني في بعض البلدان على تحرك تلك العناصر فإن الأجيال الجديدة تتعرض لنفس الأفكار التي كانت تتلقاها من قبل في محيطها السكني أو المجتمعي من خلال المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل ومجموعات “الواتساب”، التي تخترق عالمهم الخاص بعيدا عن الأسرة، وهو أمر لم تتعامل معه المؤسسات الدينية حتى الآن.

وتنبع أهمية التدخل الفكري لتوعية الآباء والأمهات في وقت تتسع فيه دوائر التطرف، واستغلال حالات التدين وتوجيهها لخدمة التطرف ليس فقط داخل المساجد التي تجيد استغلالها التنظيمات المتطرفة لكن أيضا من خلال الكنائس وانتقال حالات العنف والتطرف التي يعانيها المجتمع بشكل عام إلى خطابات بعض القساوسة غير المهيئين للتعامل مع مثل هذه المواقف.

لعل ذلك كان دافعا لبيت العائلة المصرية (هيئة دينية تتشكل من الأزهر والكنيسة)، للالتفات إلى الثغرات التي ينفذ من خلالها التطرف إلى عقول الصغار ومحاولة التعامل معها عبر تدريب الشيوخ والقساوسة على زرع قيم دينية مشتركة يتوافق عليها الطرفان عبر الاستعانة بإحدى الشركات المتخصصة في تقوية الترابط الأسري، وذلك في خطوة تستهدف المزج بين ما هو ديني وما هو مجتمعي في آن واحد.

وتلقّى الشيوخ والقساوسة دروسا اجتماعية قدمها إليهم المحاضر كاسي كارستنز، مؤسس حركة “العالم يحتاج إلى أب”، هدفت لتوعيتهم بتوصيل رسائل تربوية ودينية للآباء وتحديدا بشأن كيفية التواصل الفكري مع الأبناء وتصحيح النظرة الخاطئة بالمجتمع تجاه الأب باعتبار أن دوره يتلخص في الإنفاق على الأسرة، والتأكيد على أدواره الثقافية بشكل مستمر.

ونظمت الهيئة المصرية أولى دوراتها في 26 يونيو الماضي غير أنها بدأت في تطبيق الرسائل بشكل فعلي على أرض الواقع، خلال خطب الجمعة الماضية والخطب الأسبوعية بالكنائس المصرية الأسبوع الحالي، وشارك في الدورة 80 شيخا وقسيسا، ومن المفترض أن تستمر عملية التدريبات من نقل خبرات المتدربين إلى زملائهم بالمحافظات المختلفة.

وقال محمد عبدالعاطي، المنسق العام لبيت العائلة المصرية، إن الأفكار التي عرضها أساتذة التربية على الشيوخ والقساوسة استهدفت تغيير تعاملهم مع المواطنين والذي يركز على الجوانب الدينية فقط، والتأكيد على الربط ما بين الحفاظ على الروابط المجتمعية داخل الأسرة الواحدة بما هو ديني، والتأكيد على قيم التسامح والمحبة بين جميع المواطنين بعيدا عن التعصب الديني.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن تدريب أولى الدفعات كان بهدف نقل المحتوى العلمي المقدم إليهم إلى أفرع بيت العائلة بالمحافظات المختلفة، وأن هناك دوائر نقاش عديدة ستنفذ على مستوى المساجد والكنائس بالمحافظات تحت إشراف لجنة الثقافة الأسرية التي تضم في عضويتها عددا من رجال الثقافة والفكر الإسلامي والمسيحي.

وأشار إلى أن التدريبات تركز بشكل أساسي على القواسم المشتركة بين الإسلام والمسيحية بعيدا عن الدخول في تفاصيل كل دين، وهو أمر يتكامل في وعظ مجتمعية عديدة تركز على التسامح وقبول الآخر وعدم المغالاة والوسطية، وبالتالي فإن الهدف الأساسي هو إزاحة التراب عن جوهر الأديان والتركيز على القيم الأساسية التي يتشارك فيها كل طرف مع الآخر.

رسمي عبدالملك: المجتمع المصري يعاني تزايد نزعة التعصب لدى الفئات الصغيرة
رسمي عبدالملك: المجتمع المصري يعاني تزايد نزعة التعصب لدى الفئات الصغيرة

ويواجه بيت العائلة المصرية انتقادات عديدة بسبب تعثره في التعامل مع المشكلات الطائفية التي تقع بين الحين والآخر بين المسلمين والأقباط في مناطق متفرقة وارتكانه الدائم إلى الحلول العرفية بديلا للحلول القانونية، ما دفعه لتحويل دفة اهتماماته بشكل أكبر ليركز على القضايا المجتمعية التي تمنع وقوع تلك المشكلات من الأساس، لكنه بحاجة إلى دعم حكومي أكبر لأن غالبية تجاربه تكون بشكل جزئي على فئات بعينها.

وتذهب الهيئة الدينية المصرية باتجاه تدشين مبادرات مجتمعية يتشارك فيها المسلمون والمسيحيون من مختلف فئاتهم وتركز بشكل أساسي على الصغار، وترى أنه من السهل أن تشكل عقولهم بما تراه من أفكار وينشط حضورها في أوساط طلاب المدارس من خلال إقامة أنشطة فنية ورياضية وثقافية مشتركة، وذلك في محاولة للتخلص من بعض الأفكار المتطرفة التي يتلقاها الطلاب من بعض رجال الدين وعناصر التنظيمات المتشددة.

ومن جانبه قال رسمي عبدالملك، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي ببيت العائلة المصرية، إن المجتمع المصري يعاني من تزايد نزعة التعصب لدى الفئات الصغيرة ارتكانا على الأفكار التي تروجها المدارس والحضانات المرتبطة بالمساجد والكنائس وانعدام التدريب الجيد للمشرفين على تلك المؤسسات التعليمية.

و أضاف أن هؤلاء قد يكونون وقودا لتفجير الأوضاع الأمنية بالبلاد مستقبلا في ظل جهل العديد من الأسر بكيفية التعامل مع تلك المواقف وتفاجئ بأن أبناءها أضحوا أعضاء بتنظيمات وجماعات متطرفة.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” أن إعادة صياغة شخصية الإنسان المصري بحاجة إلى تدريبات مكثفة للآباء والأمهات الذين تربوا في الأصل على أفكار تحمل في جوهرها تعصبا ينتقل بشكل مباشر إلى الأبناء، ما يجعل هؤلاء الصغار صيدا سهلا بالنسبة لجماعات التطرف في الدين الإسلامي والمسيحي، لافتا إلى أنه يستحيل تعديل سلوك الأبناء من دون أن تكون لديهم اتجاهات إيجابية سليمة لقبول الآخر والانفتاح عليه.

وأكد أن اختراق عقول الآباء من خلال الشيوخ والقساوسة يواجه أيضا أزمات عدة بسبب عدم قناعة الكثيرين منهم بالمحتويات العلمية التي تقدمها الورش والدورات التدريبية في ظل غياب ثقافة التركيز على القواسم المشتركة خلال الخطب بعيدا عن جوهر الدين، وبالتالي فإن توصيل الرسالة إلى عموم الجمهور يبدو أملا صعب المنال، مع استمرار النزعات الدينية المتطرفة على كل منهما.

13