الأسر المصرية تسقط قرارات وزير التعليم

أثبتت التجارب المختلفة في مصر أن محاولة فرض سياسة تعليمية بعينها، أو اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل طلاب المدارس دون العودة أولًا إلى الأسرة ومناقشتها في هذه السياسة أو القرارات، تضع الحكومة في مأزق ومواجهة خاسرة مع الآباء والأمهات، وكثيرًا ما كسبت الأسر الرهان في جهادها ضد كل محاولات الإقصاء التي تتعرض لها من القائمين على وضع السياسات التعليمية في البلاد.
الثلاثاء 2016/09/20
تخليص الأطفال من شباك المصالح الشخصية

القاهرة- نجحت ثورة الغضب التي قادها الآباء والأمهات في مصر خلال الأيام الأخيرة في أن تجبر وزارة التربية والتعليم الإثنين على التراجع عن قرار سابق اتخذته مطلع شهر سبتمبر الماضي، بإلغاء قرار امتحانات منتصف الفصل الدراسي الذي كان يطبق منذ العشرات من السنين، واستبداله بامتحانات شهرية للطلاب يضعها معلم الفصل، ما يضع الطالب تحت رحمة المعلم ويكون مضطرًا إلى متابعة دروس خصوصية يلقيها المعلم ذاته حتى لا يتعرض هذا الطالب للرسوب أو الاضطهاد، لا سيما أن نجاحه ورسوبه سيكونان بيد معلمه فقط.

أمام توحد أرباب الأسر لأجل هدف واحد، يتمثل في إلغاء قرار الوزارة، الذي اتخذته بناء على إجماع آراء المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي (أعلى هيئة تعليمية بالبلاد)، فشلت كل المحاولات التي ساقها مسؤولو الوزارة لإقناع الأسرة بأهمية القرار، حتى بلغ الأمر حد تهديد الآباء والأمهات بمنع أبنائهم من الذهاب إلى المدرسة، كأحد أساليب التمرد الأسري على القرار، والتلويح بتنظيم مظاهرات عارمة في مختلف أنحاء البلاد.

حاولت الحكومة الخروج من المأزق بشكل يليق بمسؤوليها ويحفظ لها ماء الوجه، وقامت بإجراء استطلاع رأي للأسر حول إلغاء القرار أو الإبقاء عليه، فجاءت نتيجة التصويت مخيبة لآمال الهلالي الشربيني وزير التربية والتعليم، وصوّتت الأغلبية الساحقة برفض تطبيق القرار وسرعة إلغائه، فما كان منه إلا الرضوخ لمطالب الآباء والأمهات الذين حشدوا الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي للتصويت بـ”لا”، وإنقاذ الطلاب من تحكم المعلمين في مستقبلهم.

قالت عبير محمد، وهي أم لثلاثة أبناء يتلقون تعليمهم في مدارس حكومية بالقاهرة، ومؤسسة صفحة “ثورة غضب الأمهات”، إن القائمين على وضع السياسات التعليمية اعتادوا اتخاذ قرارات مريبة قد تدمر مستقبل الطلاب، وتكون بعيدة كل البعد عن الأسر نفسها، ما أثار حفيظة الأمهات أكثر من الآباء، وقررن القيام بثورة إلكترونية وإعلامية، وكن يعلمن أن “النصر سيكون حليفهن في النهاية، فلا يمكن لقوة أن تقف في وجه الأمهات إذا كان الأمر يتعلق بمصير أبنائهن”.

الوزارة أصبحت مضطرة إلى استطلاع آراء الأسر في الكثير من القرارات التي تتعلق بمصير الطلاب في المدارس

وأضافت لـ”العرب” أنه تم تدشين أكثر من صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ صدور القرار، شارك فيها عشرات الآلاف من الأمهات والآباء، لكن جميعها تأسس من خلال سيدات لهن تلاميذ في المدارس، واشترك فيها الرجال، ما يعني أن الأم هي التي قادت ثورة الغضب ضد الحكومة لإلغاء القرار، وخلال أسبوع واحد أصبح هناك تواصل أسري على مستوى موسع، لتحقيق هدف واحد، هو “كسر شوكة وعناد أي مسؤول يعاند ويتحكم في مصير الأطفال والتلاميذ”.

وأشارت إلى أن نجاح الأسر في “التدخل لرسم السياسة التعليمية لأبنائها في المدارس، يقضي على سنوات عجاف من تجاهل المسؤولين للتعليم وتطويره، فالأمهات عندما يتوحدن مع الآباء لا بد أن تستمع لهم الدولة، خاصة أن مطالبهم مشروعة، والمسؤول الذي يتجاهل الاستماع للأمهات عندما يقدن ثورة لتغيير أمر ما، يكون خارج حسابات الزمان والمكان”.

سبق لثورة أرباب الأسر المصرية أن أجبرت وزارة التربية والتعليم على إجراء تعديلات في المناهج الدراسية وإزالة الحشو الزائد في الكتب الدراسية، بحيث لا تزيد عدد صفحات الكتاب الواحد على 200 صفحة فقط، مع “فرم أو إعدام” باقي الدروس التي تحض على العنف والتطرف وتصنع من الطلاب جيلًا ضائعًا لا يعرف الأخلاق والسماحة، ما اضطر معه وزير التعليم إلى لقائهم أكثر من مرة، وتشكيل لجان عديدة لتعديل المناهج استجابة لمطالب الآباء والأمهات الغاضبين.

ينطلق الموسم الدراسي الجديد في مصر، السبت المقبل الذي يوافق 24 سبتمبر، وسط حضور لافت ومكثف للمرة الأولى لمجالس الآباء والأسر ضمن تشكيل القوام الرئيسي لإدارة المدرسة، حيث استبقت الوزارة المزيد من الضغط الأسري عليها ورفض أكثرية القرارات التي تتخذها إدارات المدارس، فلجأت إلى تشكيل مجلس آباء على نطاق واسع للمشاركة في وضع السياسة التعليمية داخل المدارس، وتقديم المقترحات التي من شأنها ضمان سلامة العملية التعليمية.

وقالت أمهات عبر صفحات التواصل الاجتماعي في رسائل متتابعة لمسؤولي الوزارة قبيل إلغاء القرار، إنهن يعرفن السياسات التعليمية الأفضل لأبنائهن أكثر من الحكومة نفسها، وما دمن عاقدات العزم على التغيير، فإنه سيأتي رغمًا عن أنف الجميع، فلا يمكن أن ترى الأم أن مستقبل ابنها سوف يكون تحت رحمة المعلم، ويبكي ويصاب باليأس والإحباط والعجز عن التفكير، وتصمت دون أن تدخل “الحرب” من أجل أن تصان حقوقه من الانتهاك.

وأكد مصدر مسؤول بوزارة التربية والتعليم لـ”العرب” أن الوزارة أصبحت “مضطرة لاستطلاع آراء الأسر في الكثير من القرارات التي تتعلق بمصير الطلاب في المدارس، لأن الوضع في البلاد لا يحتمل المزيد من الغضب الشعبي، والكثير من القرارات جرى التراجع عنها بشكل غير لائق بسبب التلويح بالتصعيد الأسري، وأضحى من الضروري أن يتم فتح قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة مع الأسر نفسها”.

وأقر المسؤول التربوي بأن وزير التعليم كان يتلقى تقارير يومية عن نشاط الأسر على مواقع التواصل الاجتماعي ورأيها في الكثير من القرارات التي تتعلق بالسياسة التعليمية للعام الدراسي الجديد، لا سيما قرار إلغاء امتحانات منتصف العام الذي أثار موجة من السخط الأسري، خاصة أن هذه الصفحات كانت مادة خصبة لوسائل الإعلام المختلفة، ما زاد من الضغوط على الوزارة لتعديل موقفها استجابة لطلب الأسر الغاضبة.

21