الأسر المصرية تصر على شراء الفوانيس رغم صعوبة الحياة

قبل أيام قليلة من قدوم أيام وليالي شهر رمضان، مازال المصريون حريصين على شراء فوانيس رمضان رغم الغلاء المتصاعد ومصاعبهم المادية وارتفاع أسعار الفوانيس، فالفانوس كان دائما طقسا رمضانيا لدى الأغنياء والفقراء، ويضفي البهجة على البيوت والشوارع والدكاكين.
الخميس 2017/05/25
محاولة لإضفاء البهجة في البيوت والشوارع

في حي السيدة زينب بوسط القاهرة تزينت المحال والشوارع بالفوانيس المصرية المصنوعة من الصاج والمطعمة نوافذها بزجاج ملون، وتُعرض للمارة الذين جاؤوا من كل مكان طالبين شراءها لرخص أسعارها عن مثيلاتها في مناطق أخرى، حيث يبالغ التجار بشكل عام في الأسعار تبعا للمنطقة التي يبيعون فيها ويربطون السعر بالشريحة الاجتماعية التي يقع فيها المحل.

والفانوس المصري بشكله المتعارف عليه تم تطويره على مر العصور بعد أن أدخله الفاطميون عند دخول المعز لدين الله الفاطمي مصر عام 358 هجرية وكانوا يستخدمونه في إضاءة الشوارع والأزقة المؤدية إلى المساجد، وتقول مصادر تاريخية إن المصريين حينما خرجوا لاستقبال المعز كانوا يحملون المشاعل والفوانيس ومن يومها أصبح الفانوس عادة يحرصون على الاحتفاظ بها.

الإقبال على شراء الفوانيس هذا العام متوسط نسبيا لأمرين: أولهما أن التجار استغلوا حظر استيراد الفوانيس الصينية وانتهزوا فرصة إقبال المواطنين على الفوانيس المحلية فرفعوا الأسعار، والأمر الثاني بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر المصرية نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية كالأرز والسكر والزيت وغيرها، ما جعل شراء فانوس رمضان لدى البعض أمرا ترفيهيا وليس أساسيا.

فاطمة محمد (موظفة حكومية)، كانت تتجول بين الفوانيس المعروضة وتتنقل بعينيها هنا وهناك باحثة عن سعر يتناسب مع ميزانيتها المتواضعة، وقالت “جئت إلى السيدة زينب لأشتري فوانيس لأطفالي كي أدخل البهجة عليهم بمناسبة حلول رمضان، لكنني فوجئت بأسعارها التي ارتفعت بشكل لم أكن أتوقعه”.

الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر المصرية جعلت شراء فانوس رمضان لدى البعض أمرا ترفيهيا وليس أساسيا

وأشارت لـ”العرب” إلى أن أقل سعر للفانوس وصل إلى ما يعادل 5 دولارات أميركية في حين أن مثيله في العام الماضي لم يكن سعره يتجاوز دولارين فقط، ولفتت إلى أن بائعي الفوانيس استغلوا ارتفاع الأسعار عموما في كافة السلع ورفعوا هم أيضا أسعار الفوانيس، واشتكت من أن السوق ليس مراقبا من قبل الجهات الرسمية كجهاز حماية المستهلك.

فاطمة رغم صعوبة حالتها المادية تمكنت من شراء فانوسين لطفليها لا يزيد سعرهما معا عما يعادل 3 دولارات مع أن الفانوسين صغيرا الحجم بصورة ملحوظة، وقالت “ماذا أفعل وأنا أريد إسعاد الطفلين؟”.

وزير الصناعة والتجارة المصري الأسبق منير فخري عبدالنور كان قد أصدر قرارا في أبريل عام 2015 يحظر استيراد كل ما هو مرتبط بالتراث والتاريخ والعقائد الدينية، ومنها الفوانيس التي كانت تُستورد سنويا بملايين الدولارات من الصين، ما أدى إلى تراجع المنتج المحلي منها.

وقال أحمد أبوجبيل رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال إن هذا القرار وفر الملايين من الجنيهات المصرية وفي الوقت ذاته ساهم بشكل كبير في إتاحة الفرصة أمام الفانوس المصري كي ينتعش في الأسواق مرة أخرى بعد أن كان على وشك الانقراض.

وأكد لـ”العرب” أن الفوانيس المستوردة الموجودة بالأسواق حاليا هي بقايا ما تم استيراده في الأعوام الماضية، لافتا إلى أن التجار يخرجون ما يتبقى في مخازنهم كل عام لبيعه ويرفعون الأسعار كيفما يشاؤون، مشيرا إلى أن الأسعار المرتفعة والتي يشتكي منها المواطن من الصعب ضبطها نظرا إلى أن العرض والطلب هما اللذان يتحكمان في الأمر.

ورغم المناشدات والمبادرات الكثيرة الداعية لشراء الفانوس المصري ومحاولة إنعاشه منذ حظر استيراده من الصين العام قبل الماضي، إلا أن الورش التي تقوم بتصنيعه تعد على أصابع اليد بسبب موسمية هذا العمل الذي لا يرتبط إلا بشهر رمضان فقط، وفي باقي أشهر السنة يمارس العاملون أعمالا أخرى توفر لهم مصدرا للرزق. وفي الماضي كانت منطقة “تحت الرَبع” في وسط القاهرة إحدى المناطق الشهيرة بتصنيع الفوانيس، وفي السنوات الماضية كانت شوارعها الضيقة تعج بالورش الصغيرة، وكنت ترى الصناع عاكفين على قطع الصفيح يقصونها بـ”إسطنبة” خاصة على شكل الفانوس الراغبين في تشكيله وبأياديهم أدوات لحام بسيطة يستخدمونها للصق جوانب الفانوس، ويقبعون في الورش من الصباح حتى المساء.

وكان العمل يبدأ قبل شهر رمضان بعشرة أشهر ويتضاعف في شهر رجب، لكن بمرور الوقت قلت أعداد تلك الورش وانصرف الصانعون إلى أعمال أخرى بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع تلك الحرفة.

وفي ورشة صغيرة لا تتعدى مساحتها المترين عرضا وثلاثة امتار طولًا وتمتلئ بقصاصات الصفيح والزجاج، وعلى رفوف خشبية مثبتة على الجدران رُصّت الفوانيس التي تم الانتهاء منها، جلس محمد محرم في مقدمة ورشته، وقد ورث محرم حرفة صناعة الفوانيس أبًا عن جد، وعمل بها منذ أكثر من 30 عامًا، وكان عندما التقيناه يدق بآلة تسمى “الزومبا” على قاعدة أحد الفوانيس.

فوانيس الورشة كانت مختلفة في الشكل والتصميم وكذلك في الحجم، وحُفرت على جوانبها جُمل متعارف عليها، مثل “أهلا رمضان”، و”صوما مقبولا”، و “رمضان كريم”، فضلا عن الشهادتين (لا إله إلا الله.. محمد رسول الله)، وغيرها.

وقال محرم لـ”العرب” إن هناك مسميات عديدة للفوانيس، مثل “شقة البطيخ” و”المربع”، و”النجمة السداسية” (التي تكون في أعلى نقطة في الفانوس)، و”الهلال”، كما أن هناك فانوسا يسمى “الشمامة” وآخر يطلق عليه “البرج”.

وأكد أن ارتفاع أسعار الفوانيس ليس بسبب أصحاب الورش ولكن المسؤولين عنها هم البائعون الذين يشترونها منهم بأسعار زهيدة ثم يبيعونها للمواطنين بأسعار مبالغ فيها، وأشار إلى أن سعر الفانوس الذي يبلغ ارتفاعه المترين طولا لا يتعدى الـ20 دولارا بينما يصل سعره في المحلات إلى ما بين 25 و30 دولارا، أما أسعار الفوانيس متوسطة الحجم فيصل سعر الواحد منها إلى خمسة دولارات وتباع في المحلات بـ10 دولارات وأكثر.

ورغم المحاولات المبذولة من بعض الجهات الرسمية لإحياء الصناعات اليدوية المرتبطة بالتراث والتاريخ والعادات الدينية- خصوصا الفوانيس والزينة الرمضانية والمسبحة وسجادة الصلاة- إلا أن ارتفاع أسعار المُنتج المحلي هو السبب الرئيسي في جعل الإقبال على الشراء من قبل المواطنين محدودا.

وقد ظهرت خامات أخرى يتم تصنيع الفانوس منها، مثل الخشب “الأركيت” -وهو الخشب المفرغ والمزين بنقوش إسلامية- وكذلك انتشار الفوانيس الخرز والكريستال، ومع ذلك فإنها لم تستطع إزاحة الفوانيس الصاج التقليدية.

21