الأسر المصرية تعاني من مساوئ تقليد الأبناء لأحداث درامية

أفرزت دراما شهر رمضان الماضي سلوكيات غير مألوفة في الشارع المصري، وأصبح تقليد الصغار والكبار لعدد من المشاهد التلفزيونية أحد الأسباب التي قد تدفع الاستقرار الأسري إلى الهاوية. وبدت محاولة فرض أحد أفراد الأسرة سيطرته على المنزل، بعيدًا عن الأب والأم، وانتشار لغة البلطجة وسيطرة الرأي الواحد، أكثر ما ينهك الأسرة ويفرض عليها التفكك مبكرًا.
السبت 2016/07/16
مسلسلات تنهك الأسرة

القاهرة - سيطرت مشاهد غياب دولة القانون التي جسدها الفنان محمد رمضان بطل مسلسل “الأسطورة” الذي عرض على الكثير من الشاشات العربية في رمضان الماضي، على لغة التعامل في العديد من الوقائع، سواء في الشارع المصري أو داخل الأسرة الواحدة، بعد قيام الشباب بمحاولة تقليد بطل “الأسطورة” الذي كان يخشاه الجميع ويفرض سطوته على مجريات الأمور داخل الأسرة أو في محيط سكنه.

التقليد بلغ في مصر حد ارتداء نفس ملابس بطل المسلسل، والتي لا تتفق مع تقاليد الكثير من الأسر المصرية، فضلا عن تقليد البلطجة ولغة السلاح ورسم اللحية التي ظهر بها البطل طوال حلقات المسلسل.

ظهر بطل مسلسل “الأسطورة” في صورة شاب لا يعترف بالعادات والتقاليد أو احترام القانون، وبدأ في فرض سطوته وكلمته على الجميع إلى أن أصبح من أكبر تجار السلاح في مصر، وكان يخشاه الجميع بسبب علاقاته مع أجهزة الأمن ورضاء الشرطة عن أفعاله داخل محيط منطقته.

في محافظة بني سويف، جنوب القاهرة، أقدم أفراد عائلة على تقليد بطل المسلسل المذكور، عندما قاموا بإجبار زوج ابنتهم على ارتداء ملابس خاصة بالمرأة (قميص نوم) والتشهير به في شوارع القرية أمام المارة، بعدما نشر صورًا مخلة لزوجته ليعاقبها على طلب الطلاق منه. وهو نفس العقاب الذي اتبعه بطل المسلسل مع أحد جيرانه بعدما قام بنشر صور مخلة لزوجته على مواقع التواصل الاجتماعي، إثر قيامها ببيع هاتفها المحمول له وكانت عليه صور خاصة بها، وتكررت نفس الواقعة في أكثر من منطقة شعبية في مصر.

في الاسكندرية، على البحر المتوسط،، أقدم شاب على محاولة قتل شقيقته بعد أن رفضت الانصياع لأوامره ولم تعتبره “أسطورة المنزل” وكلمته مسموعة عند أفراد الأسرة وهو الآمر الناهي وليس والده أو والدته، فيما قُتل شاب في سن الثلاثين بمحافظة الجيزة، بعدما تنافس مع آخر على لقب أسطورة المنطقة التي يعيشون فيها، وأحقية كل منهما في أن يكون صاحب القول الفصل داخل المنطقة.

يرى خبراء علم النفس والاجتماع والأسرة، أن وقائع التقليد الدرامي داخل المجتمع تنعكس بشكل خطير على الأسرة المصرية وتضاعف من حاجة الأبناء للخروج عن طاعة أسرهم والاستقلال بذواتهم في سن مبكرة.

غير أن بعضهم بدأ ينظر إلى استمراره في تنفيذ أوامر أسرته أو الالتزام بالأعراف والتقاليد واحترام الآخر، أصبح من شيم الأجيال القديمة، بينما الوضع الجديد في المجتمع يستلزم التمرد على كل شيء بحيث تصبح لغة الفرد الواحد هي السائدة.

قال محمد منتصر، أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة الاسكندرية، إنه “رصد بنفسه البعض من الشباب الذين يقلدون نجوم الدراما في كل شيء، خاصة ارتداء الملابس التي تكشف مدى خروجهم عن التقاليد، أو حتى طريقة رسم اللحية التي تنم عن قوة شخصية صاحبها”، مثلما كان يفعل الفنان محمد رمضان في مسلسل “الأسطورة”، معتبرًا أن كل ذلك يزيد من إرهاق الأسرة في إعادة تربيتهم الأبناء بطريقة سليمة وعلاجهم من الآثار المدمرة للدراما.

وأضاف لـ”العرب” أن الأطفال والشباب أكثر الفئات التي تسعى إلى تقليد ما يحدث، لاعتقادهم أن “البلطجة وحمل السلاح الخفيف وارتداء ملابس بعينها” تجعلهم أقوياء داخل المجتمع.

وقائع التقليد الدرامي داخل المجتمع تنعكس بشكل خطير على الأسرة وتضاعف من حاجة الأبناء للخروج عن طاعة أسرهم

وأشار إلى أن كل هذه التقاليد الغريبة عن المجتمع والأسرة تمثل تحدّيا للدولة التي تجد نفسها مجبرة على فرض كلمتها وإرساء قوة القانون، وأن الحل يكمن في وقف عرض مثل هذه الأحداث الدرامية الهدّامة، مثلما يحدث في دول أجنبية على غرار روسيا.

في مصر وجدت بعض المحال التجارية في تقليد الدراما وسيلة لتحقيق الربح السريع من خلال بيع الملابس التي تتواءم مع الوضع الجديد للشباب الباحثين عن التحرر من فكرة القيود المجتمعية، إلى درجة أن أحدث الملابس حاليًا مرسومة عليها صورة بطل مسلسل “الأسطورة” وعليها عبارات كان يرددها، والغريب أن هناك إقبالا عليها من جانب الشباب.

تكمن خطورة التقليد، بحسب سامية نور الدين، أستاذة علم اجتماع الأسرة بجامعة الزقازيق (شمال القاهرة)، في أنها تلغي تقاليد الأسرة وتفرض تقاليد جديدة ترتكز على فكرة أن القوة في العنف وليست في الاحترام المتبادل، وتحض على التباهي بالسيطرة والخروج عن المألوف، وكلها مقدمات تلغي دور الأسرة من حياة الشاب، ويبدأ الاعتماد على نفسه من خلال البحث عن طرق بعيدة عن أسرته لإثبات ذاته وتحصيل المال حتى لو كان ذلك بطرق غير مشروعة، لأن اللجوء إلى والده في هذه الحالة أصبح إهانة له.

وأضافت لـ”العرب” أن المراهقين عندما يشاهدون دراما تحث على البلطجة وأخرى تروّج للمخدرات من خلال المسلسل المصري “الكيف”، سيذهب في خلدهم أن “هذه هي وسائل الحياة المناسبة”، خاصة أن الدولة لا تتدخل، ما يوحي بأن مؤسسات بعينها تروّج لنفس الفكرة، الأمر الذي يصعّب على الأهالي عملية إقناع الأبناء بخطورة هذا الوضع. أصبح نتاج معايشة الواقع الذي تروج له الدراما، تطلع الأطفال والمراهقين إلى تقليد وتقمص أدوار غريبة عن المشاهد التي اعتادوها داخل الأسرة وفي محيط المجتمع الذي تروبوا فيه، وهو ما يرسخ مفاهيم القوة والانحراف والخروج عن التقاليد وعدم الانصياع لتعاليم الأسرة، حتى الفتيات لديهن الآن ثقافة التقليد في التدخين وارتداء الملابس المتحررة وبعضها ممزق، ويقمن بسلوكيات منحرفة ويرددن ألفاظاً ومصطلحات غريبة، بسبب متابعتهن لهذه الثقافة في الدراما.

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد انتقد في خطاب له نهاية مايو الماضي الدراما والسينما اللتين تروجان لفكرة البلطجة وتشويه صورة الأسر، وقال إن الحكومة لن تسمح بالمزيد من التشويه أو الترويج لفكرة غياب دولة القانون

لما لها من تأثير سلبي غير محدود على المجتمع. أعقب هذه الخطوة اتخاذ الحكومة قرارا بدعم السينما والدراما ماديا، من أجل تقديم إنتاج يتناسب مع البيئة المصرية، ويدعم استقرار الأسرة.

21