الأسر المغربية تستقبل رمضان بعادات خاصة لجلب الرزق والبركة

يُستقبل شهر رمضان في الكثير من المدن العربية والإسلاميّة منذ منتصف شهر شعبان بعادات وتقاليد موروثة عن الأجداد، منذ أكثر من عشرة قرون. وفي الكثير من هذه العادات يحاول الناس التعبير عن فرحهم بمقدم هذا الشهر، من خلال نشاطات فنية، ومسيرات تطوف المدن والقرى.
الخميس 2017/05/18
تزايد مصاريف الاستهلاك في شهر رمضان

تتنوع في المغرب فعاليات استقبال شهر الصوم ابتداء من نشر الزينات عند أبواب البيوت والمساجد وانشغال ربات البيوت بإعداد حلوى رمضان. وتتصاعد رائحة مطيبات حلوى “السلُّو” و”الشباكية ” و”كعب الغزال”. فتشم روائح العطريات المتسربة من البيوت في كل الأزقَّة الرئيسية والفرعية التي تمر بها.

تقول السيدة زهرة (40 سنة) موظفة لـ”العرب”، “يزيد إنفاق أسرتي في شهر رمضان أكثر من 25 بالمئة على المعدل الشهري، فنضطر إلى الاستدانة من البنوك بفائدة مالية لغرض التغلب على الزيادة الطارئة على المصاريف، مما يحمّل كاهل أسرتنا أعباء تسديد الدين والفائدة في الشهور التالية”.

وتضيف “أغلب هذا الإنفاق الزائد يعود إلى عادات الأسرة في رمضان، وأهم عامل للإنفاق هي الحلوى. فقبل أيام من رمضان نبدأ بإعداد “السلُّو” (سفْوف) والبريوات والغريبة وحلوى الشباكية لتكفي طيلة فترة الشهر. والحلوى المغربية مكوّنة من مواد كثيرة غالية نسبياً من بينها اللوز والسمسم والجوز الهندي وعين الجمل والكاكاو والشكولاته وبذور الكتان واليانسون وزيت الزيتون والمطيبات. كما أنَّ استهلاك البيض يتضاعف خلال شهر الصوم مرتين عن الشهور العادية”.

ومن عادات ربات البيوت المغربيات تنظيف أوْعية الطبخ من الألمنيوم والنحاس. وبعد ذلك تعرض للشمس عند باب المسكن، لتراها نساء الجيران اللاتي يعملن ذات الشيء في مباراة كبيرة، لإعادة إحياء تقليد قديم لنيل بركات شهر رمضان، كما تعتقد هؤلاء السيدات”. تقول السيدة رقية لعماري (50 سنة) ربة بيت لـ”العرب”، “نعرض للشمس إناء الطبخ الذي نستخدمه في شهر رمضان. وهو تقليد تعلمته من ميمتي (أمي)، وهي بدورها تعلمته من جدتي. وتقول جدتي إن هذا يزيد الرزق ويُبارك فيه للأسرة، فملاك الرزق يسجل عدد أوْعية كل بيت سيتم استعمالها، لتلبية حاجات الصائمين في العائلة من طعام وشراب، فيسجل زيادة في الرزق والبركة فيه، والله كريم رزاق”.

الفرق الفنية تقدم عروضا موسيقية وراقصة فلكلورية جوالة في شوارع المدن المغربية ابتهاجاً بقدوم الشهر

وتتحول بين يوم وآخر الكثير من المتاجر ومحلات عرض البضائع، ومتاجر الملابس إلى محلات لعمل المعجنات والحلوى وإعداد مستلزماتها استعداداً للشهر القادم. بينما ينشغل متطوعون بتهيئة المساجد من خلال صبغها وتنظيف فرشها وترتيب مستلزمات صلاة التراويح من أجهزة صوتية ومغاسل الوضوء استعداداً للشهر الكريم.

وتقوم مجموعات أُخرى بتجديد طلاء المساجد وأماكِن الوضوء وإجراء الإصلاحات والصيانة الضرورية السنوية لاستقبال شهر رمضان المعظم.

وفيق عدنان كهربائي (30 سنة) يقول لـ”العرب”، إنه يعمل في صيانة أجهزة الصوت والإضاءة أحدهما بالنهضة والآخر بالتقدم في مدينة الرباط. وهو يؤدي عمله قبل شهر رمضان مجاناً للجامعين المذكورين لوجه الله.

ويضيف مبتسماً “الله يضاعف الرزق قبل الشهر وبعده عدة مرات في كل سنة أتطوع فيها”. وهو ليس وحده من يؤدي عملاً تطوعياً بل هناك زملاء له من الشباب يعملون كتقنيي صباغة وتوصيلات مائية وسباكة. وهم في العادة يقدّمون خدماتهم للمساجد مجاناً في الفترة التي تسبق رمضان وخلاله.

وللجانب الفني والتراثي دوره في استقبال شهر رمضان بالمغرب، إذْ تعمد الفرق الفنية إلى تقديم عروض موسيقية وراقصة فلكلورية جوّالة في شوارع المدن المغربية ابتهاجاً بقدوم الشهر الكريم.

يقول مختار المريني (25 سنة) من الجمعية الفنية والرياضية لشباب نهضة البريد بالرباط لـ”العرب”، “خلال الأيام التي تسبق شهر رمضان نقوم بجولات في الأزقة ومعنا آلاتنا الموسيقية، كالطاسة والطبلة، وأبواق النفير والدف وآلات التعريجة والبندير، وعبر رقصنا الجماعي نردد مدائح وصلوات على الرسول الكريم، وهو ما نقوم به سنوياً لنشر البهجة بين السكان وتعريفهم بفضائل الشهر الكريم من خلال ما تقدّمه الفرقة من مقاطع بالألحان المغربية”.

فعاليات استقبال شهر الصوم تتنوع في المغرب ابتداء من نشر الزينات عند أبواب البيوت والمساجد وانشغال ربات البيوت بإعداد حلوى رمضان

ويضيف المريني “نعمد إلى تقديم رقصات جماعية كرقصة عيساوة المكناسية، مصحوبة بالعزف على آلة التعريجة والطبل، وكذلك رقصة الغناوي التي تمتاز بالعفوية ونشاط الراقصين وجمال أدائهم العفوي. فيحيط بنا الأطفال في كل المناطق التي نزورها ويتبرع المحسنون لجمعيتنا الفنية بالمال لكي يستمر نشاط جمعيتنا الفني والفلكلوري”.

غادرنا مختار المريني ليستلم مبلغاً من المال من أحد المتبرعين ليضعه في صندوق الجمعية، الذي تحمله إحدى فتياتها.

يوضح الباحث نجيب مبارك في جمعية وادي الحجاج التراثية التي أصدرت قبل سنوات “مكنز التراث الشعبي المغربي” بورزازات بواعث العادات والتقاليد المغربية التي تصاحب استقبال شهر رمضان، فيقول “المغاربة هم من أكثر الشعوب العربية التي توقر وتقدس شهر رمضان ويحرص الجميع على نيل البركات فيه، لذلك فهم يستعدون قبل فترة طويلة قد تبلغ شهرا أو أكثر لاستقباله، وهي عادات حميدة تزرع في الأجيال الجديدة محبّة هذا الشهر الكريم ومحبّة صومه، والتفرغ فيه للعبادات”.

ويستطرد الباحث “هذه العادات متأصلة منذ عهود مرّت بالمغرب منها عهود الأدارسة والمرابطين في القرن الخامس الهجري والموحدين. ويروي التاريخ المغربي الكثير من مظاهر الاحتفال التي تقام سنوياً لاستقبال الشهر الكريم ويشرف على ذلك السلاطين أنفسهم وحاشيتهم في مختلف المدن المغربية.

وكانت القبائل المنضوية تحت حكمهم تظهر مهارات أفرادها الفنية والفلكلورية في تلك الاحتفالات. وتقام الولائم ويتم إحياء الأفراح وتكثر العطايا للفقراء والمحتاجين لنيل بركات الشهر الكريم.

وقد أضاف من جاء من جنوب الصحراء ومن الأندلس إليها الكثير من فلكلورهم، كرقصة الكدرة والرقص الزنجي، كرقصات كناوة، وهي من أصول غينية، في جنوب المغرب ورقصات عبيدات الرما والركادة في شرق المغرب”.

21