الأسر المهاجرة والمهجرة

الثلاثاء 2014/08/12

فوق رصيف مقهى شعبي داخل الأزقة المترهلة لتونس العاصمة، وبينما كنت أشاهد ما تبرقه شاشات التلفزيون من أخبار سوداوية مثخنة بالجراح، تحمل صور الأشلاء من غزة النازفة والعراق وسوريا، وما تعيشه البلدان العربية من كوابيس يومية، انتشلني صوت متهدّج لرجل بدت عليه ملامح الثمالة، تتقاذفه جدران الأبنية المجاورة، كان يلعن ويشتم بطريقة شدّت أنظار كل من حوله، نفثت ما تبقى من دخان سيجارتي واسترقت السمع بخفة لص، فوجدته يلقي ما لذ له وطاب من فاحش القول وبذاءته صوب عائلة تتكون من خمسة أنفار، كانت قد نزلت للتوّ من سيارة تحمل لوحة منجمية ليبية وتتجه نحو بهو النزل المحاذي للمقهى، بدا على محياهم عثاء السفر، تمادى الرجل السكير في سب وشتم كافة الليبيين دون أن ينكسر له خاطر أو أن ينهاه شخص عن صنيعه المنافي للحياء.

تأتي هذه الحادثة الدنيئة متزامنة مع لغط يومي تصدح به أفواه الأساطين حول جدوى الدخول المكثف للأشقاء الليبيين إلى تونس، هربا وخوفا من سطوة السلاح والموت المحدق بهم، باحثين عن “جذع“ عربي شقيق يحميهم ولا يدير لهم ظهرهم.

ما يؤلم حقا ليس ما نطق به الرجل السكير تجاه عائلة ليبية محترمة كانت ضحية سلوك متعجرف، بل شيوع الانتهازية العمياء لدى جيل جديد رمى أصول الكرم والجود جانبا -إلا النزر القليل منهم- وراح ينقب عن الكسب السريع.

لمحت كذلك هذه العقلية الانتهازية خلال يوم قضيته في شوارع ومقاهي مدينة سوسة الساحلية التي ضجت بمئات الليبيين، رأيت ندلاء المقاهي الفارهة يتلهفون ويتصارعون لخدمة طاولات رست عليها عائلات ليبية، كأنهم يتصيدون كنزا من الذهب والأموال، ولا يتورعون في رفع سقف الأسعار، مستغلين ثقة البعض وقلة خبرة البعض الآخر، حتى صار الأمر مألوفا عند الجميع، فحتى أجور الشقق صارت قيمتها تضاهي تعريفات فنادق الخمس نجوم بين ليلة وضحاها.

ليس كل التونسيين يمتهنون ثقافة استغلال الوافدين الليبيين والتمعش منهم، بل هناك من شرفاء القوم في تونس من يؤويهم، ويبذل لهم ما يسدّ رمقهم ويقيهم شر البلاء، فلماذا إذن يتكبد عدد كبير منهم وزر تصرفات بعض الشواذ ممن دفعهم شبقهم للبحث عن حياة الليل والمجون والمتعة العابرة، حتى وإن كان هؤلاء يحملون جواز سفر ليبي؟ ألم نتعلم أنه لا تزر وازرة وزر أخرى حتى لا نقع في فخ التعميم المُغيّب للبصيرة؟

هذه الممارسات المشينة استفحلت بوتيرة متسارعة داخل عقليات السذج، ممن دفعتهم أهواؤهم المُحملة بالأنانية الجوفاء إلى نسيان معاني الوفاء والصفاء. فلا عزاء في قوم، تنزع عنه لهفة المال عادات وقيم الأجداد الراسخة منذ القدم.

21