الأسس العقارية للاقتصاد اللبناني توشك على الانهيار

أعمال البناء توقفت في معظم المشاريع بانتظار المجهول، وإيقاف منح القروض السكنية المدعومة يجمد المبيعات.
الاثنين 2018/12/10
شلل أعمال البناء حتى إشعار آخر

تمثل المباني التي ارتفعت أعمدتها فقط وتوقف العمل فيها وكذلك الأبراج والعمارات المهجورة في بيروت، شواهد على عمق أزمة القطاع العقاري المهدد بالانهيار، والذي يختزل الأزمات الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد باعتباره من أكبر ركائزه.

بيروت – تنتشر في بيروت ملامح الطفرة العقارية الهائلة التي شهدها لبنان بين عامي 2008 و2011 والتي أدت حينها الى ارتفاع جنوني في الأسعار قبل أن تضمحل وتتوقف مع اندلاع النزاع في سوريا المجاورة.

وتراجع الطلب محليا، وأحجم المغتربون اللبنانيون والخليجيون الأثرياء، الذين كانوا عماد تلك الطفرة، عن الشراء جراء الأزمات السياسية المتلاحقة والاضطرابات الأمنية على وقع النزاع السوري. وتفاقم ذلك التراجع بعد انحدار أسعار النفط منذ عام 2014.

ولم تعد آلاف الشقق السكنية التي تم بناؤها خلال السنوات الماضية تجد من يشتريها، واضطر كبار المطورين العقاريين إلى وقف العمل في مشاريع ضخمة بدأ العمل فيها مع بداية الأزمة.

ويقدر الخبير العقاري لدى شركة رامكو للاستشارات العقارية غيّوم بوديسو، وجود “نحو 3600 شقة غير مباعة حاليا في الحدود الإدارية لبيروت وحدها”.

ويمكن معاينة هذا الواقع من خلال جولة ميدانية على بعض المشاريع. ففي مقابل مرفأ بيروت، يشرف مبنى “الساحل” الفخم على البحر والسفن الراسية هناك.

ميراي شوفاني: أوقفنا البناء في مشروع باب بيروت حتى نرى كيف سيتطور الوضع
ميراي شوفاني: أوقفنا البناء في مشروع باب بيروت حتى نرى كيف سيتطور الوضع

ورغم انتهاء بنائه قبل أربعة أعوام تقريبا، إلا أنه تم بيع شقتين فقط من إجمالي 21 شقة فاخرة مساحة كل واحدة منها حوالي 500 متر مربع.

ونسبت وكالة الصحافة الفرنسية إلى مالك المبنى حسين عبدالله قوله “عندما بدأنا العمل في عام 2010، كان الوضع مختلفا كليا”. ويضيف أنه اضطر إلى التنازل عن 8 شقق لصالح أحد المصارف من أجل تسديد ديونه.

وعلى بعد عشرات الأمتار توقف العمل بشكل كلي منذ عامين في مشروع آخر، بعد إنهاء بناء هيكله الخارجي فقط.

ويقول مالك المشروع، الذي فضل عدم ذكر اسمه لوكالة الصحافة الفرنسية، “بعنا شقة واحدة على الخريطة، وخفضنا الأسعار بنحو 20 بالمئة من أجل جذب الزبائن، دون أن يكون لذلك أي تأثير على المبيع”.

وتقر سيدة الأعمال ميراي شوفاني المستثمرة في مشروع “باب بيروت” الفخم في قلب العاصمة بأن “الطلب في السوق يكاد يكون معدوما”.

وتوقف العمل في المشروع منذ منتصف عام 2015، واقتصرت عملية البناء على إنجاز دعائمه فقط، بينما تحيط به أبنية جديدة لكن معظمها غير مأهول. وتوضح شوفاني “قررنا التوقف حتى نرى كيف سيتطور الوضع”.

ولا تسري حالة الجمود في القطاع على العاصمة فحسب، ففي محافظة النبطية انخفضت المبيعات بنسبة 19.2 بالمئة خلال الأشهر العشرة الأولى من 2018 بمقارنة سنوية، وكذلك في محافظة الشمال، بنسبة 19.4 بالمئة خلال الفترة ذاتها، وفق إحصاءات السجل العقاري.

وعلّق المصرف المركزي منذ مطلع العام منح قروض سكنية مدعومة لذوي الدخل المحدود، في خطوة يثير استمرارها المخاوف إزاء أزمة سكن خاصة في صفوف الشباب.

ويقول مروان، وهو موظف في أحد المصارف لوكالة الصحافة الفرنسية، “وقعت عقد شراء شقة خلال شهر يناير، لأعلم في اليوم اللاحق أنه تم تعليق القروض المدعومة”.

وينص العقد الذي وقعه الشاب على أن يسدّد 20 بالمئة من قيمة ثمن الشقة كدفعة أولى. ويقول “أعتمد على القرض لأدفع الثمانين بالمئة المتبقية والآن أخشى أن أخسر المبلغ الذي سددته من دون أن أحصل على الشقة” في حال لم يعد المركزي منح القروض المدعومة.

وتزامنت الخطوة مع ارتفاع معدلات الفوائد المصرفية التي تتخطى 10 بالمئة جراء عدم الاستقرار السياسي مع الفشل في تشكيل حكومة منذ 6 أشهر والمخاوف من انهيار سعر صرف الليرة.

جهاد حكيّم: القطاع العقاري بدأ بالانهيار والحكومة تحاول التغطية على ما يحصل
جهاد حكيّم: القطاع العقاري بدأ بالانهيار والحكومة تحاول التغطية على ما يحصل

ويثير احتمال حدوث تدهور إضافي في القطاع العقاري، المخاوف على القطاع المصرفي، الذي يعدّ أيضاً من الدعامات الرئيسية للاقتصاد اللبناني.

ويشير مصدر مصرفي إلى حصول تأخير في تسديد الديون العقارية لصالح المصارف التي تقوم بإعادة جدولة البعض منها، بينما يتعين على المطورين العقاريين والمشترين تسديد نحو 24 مليار دولار للمصارف، ما يشكل أكثر من ثلث القروض الممنوحة للقطاع الخاص.

ويتحدث الأستاذ الجامعي المتخصّص في العقارات جهاد حكيّم عن “بداية انهيار” في قطاع العقارات، معتبرا أن كل المساعي للحد من تفاقم الأزمة ليست إلا محاولة “للتغطية على انهيارات حاصلة أو محتملة”.

وفي مسعى لتفادي سيناريو كارثي، أطلق مصرفيون وشركات عقارية في أكتوبر الماضي، منصة للاستثمار العقاري بقيمة 250 مليون دولار في مرحلة أولى، هدفها شراء عدد من الشقق التي تعثّر بيعها.

ويقول رئيس المنصة مسعد فارس إن الهدف هو “شراء أكثر من مئتي شقة في بيروت الكبرى وبيعها في الأسواق الخارجية” لا سيما للمغتربين اللبنانيين.

ولكن الاستثمارات المتوقعة تشكل أقل من 10 بالمئة من إجمالي الشقق غير المباعة في بيروت وحدها والمقدرة قيمتها ما بين 2.5 و3.5 مليار دولار وفق وائل الزين المدير العام للوسيد انفستمنت بنك المشاركة في المنصة.

11