الأسطورة مصدرا للمعرفة

الخميس 2015/09/03

النظريات التي تؤكد أن الأسطورة شكل من أشكال المعرفة ووسيلة لبلوغها قديمة قدم تأويل الأسطورة. وقد برز منذ فلاسفة الإغريق اتجاهان، أولهما ينظر إلى الأسطورة كنمط من الإدراك يخالف أنماط المعرفة العقلانية والمنطقية، أو كنمط معرفي سابق للمعرفة العقلانية، والثاني كمفهوم ثقافي ومنطقي. فلوسيان ليفي بروهل مثلا يؤكد على ما يسميه ذهنية سابقة للمنطق، ويرى أن الشعوب البدائية، في غياب أي لفظية منطقية، تكتسب معرفتها بالعالم من خلال مشاركة روحانية ضمن الواقع، وتعبر عبر أساطيرها عن تلك المعرفة.

أما ميرسيا إلياد فيطرح تأويلا عقلانيا منطقيا وتخيليا حدسيا في الوقت ذاته، فالأسطورة في رأيه هي أونطولوجيا بدائية، تفسر طبيعة الكائن، وتعبر من خلال الرموز عن معرفة تامة ومتناسقة. ورغم مظهرها البسيط الذي لا يخضع لقواعد، فإنها تتيح العودة إلى الأصول، لاكتشاف -أو إعادة اكتشاف- طبيعة الإنسان. وهو ما يؤيده فيه بول ريكور إذ يعتبر أن وجود الأسطورة ضروري للوقوف على أصول الفكر البشري وسيرورته.

وتكمن أهمية الأساطير في كونها نتجت عن مجموعة من الأفراد أو الأقوام، يمكن التّأكّد من وجودهم عبرالتاريخ، أي أنها أقلّ عرضة للتزييف من الإبداعات التي تنسب إلى شخص بعينه. وأنها، وإن كانت من نسج الخيال، ليست أوهاما وخرافات، وإنما إبداعات تنطلق من الواقع وإليه تعود، بل هي في نظر مبدعيها عين الحقيقة. وهي في كل الأحوال شكل من أشكال التعبير الرّمزي، النابع من المخيال الجمعي، والمعرب عن الضمير العام.

وتتميّز بكونها ذات صيغ مختلفة، والقاسم المشترك بينها هو التعبير عن المقدّس، والحقيقة، ووحدة أصحابها المؤمنين بها قولا وفعلا. ومن ثمّ، فإن دراستها يمكن أن تقدّم صورة صادقة عن الشعوب والمجتمعات، ونمط عيشها، ورؤيتها للكون، في مرحلة من مراحل وجودها، وتفسّر موقفها من المشكلات الطبيعيّة المعقّدة، فتغدو مصدرا من مصادر المعرفة.

ونظرا لأهميّتها، استفاد منها الأدباء والمفكّرون في الماضي والحاضر، فشكل الأسطورة هو ما اختاره ابن المقفّع مثلا في كليلة ودمنة، وابن سينا في رسالة الطير، وفريدالدين العطار في منطق الطير، وابن طفيل في حيّ بن يقظان. ولا يزال المعاصرون يغرفون منها للتعبير عن آراء فلسفية، أو عن حقائق يصوغونها في قانون لغويّ آخر. وإذا كانت المعرفة العلمية قد سعت عبر مراحل التطوّر الإنساني إلى نفي الأسطورة أو التقليل من شأنها، فإنها لم تلغها تماما، إذ ظلّت تتخفّى وراء الأقنعة، ولا يزال الإنسان يلوذ بها للتعبير عن قضاياه الوجودية والمعرفية.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15