الأسلحة المهربة للحوثيين: عدم تورط مسقط لا ينفي مسؤوليتها

وجود يمن مستقر وآمن يعتبر أمرا مهما لضمان الاستقرار على المدى الطويل في سلطنة عمان، وهو أمر يؤمن به الخليجيون ويأخذونه بعين الاعتبار في تقييم بعض التقارير التي تتحدث عن استخدام الإيرانيين للمسالك العمانية لتهريب أسلحة إلى الحوثيين في اليمن، وهو أمر ولئن نفته مرارا الجهات الرسمية العمانية وأكّدت عدم صحّته فإن الخبراء الغربيين والخليجيين يعتبرون أن مسؤولية مسقط قد تكمن في التساهل وعدم إحكام قبضتها الأمنية على هذه المسالك الحدودية، وسواء أكانت التقارير دقيقة أم غير دقيقة، لا يمكن نفي حقيقة أن هناك أسلحة وصلت إلى الحوثيين عن طريق سلطنة عمان.
الجمعة 2016/10/21
التواصل مع كل الجهات

واشنطن – نفت سلطنة عُمان أنباء تتحدث عن استخدام الحوثيين أراضيها في تهريب الأسلحة إلى اليمن، لكن تعدد المصادر وتزايد عدد التقارير والتسريبات التي تتحدث عن هذا الموضوع، يجعلان هذا النفي ضعيفا مقابل تكرر الحديث والأخبار، التي من بينها خبر تناقلته وسائل الإعلام في شهر سبتمبر الماضي يتحدّث عن إحباط عملية تهريب أسلحة إلى الميليشيات الحوثية المتمرّدة على السلطة الشرعية في اليمن على متن شاحنات تحمل لوحات عمانية.

أما أحدث تقرير في هذا السياق، والذي جاء في خصوصه نفي وزارة الخارجية العمانية، فيتعلق بمعلومات حصرية نشرتها وكالة رويترز، تحصّلت عليها عن طريق مسؤولين أميركيين وغربيين وإيرانيين صرّحوا للوكالة بأن إيران صعدت عمليات نقل السلاح إلى الحوثيين الذين يقاتلون الحكومة المدعومة من السعودية في اليمن وذلك في تطور يهدد بإطالة أمد الحرب التي بدأت قبل 19 شهرا واستفحالها.

ومن الممكن أن تؤدي زيادة وتيرة شحنات الأسلحة في الأشهر الأخيرة، والتي قال المسؤولون إنها تشمل صواريخ وأسلحة صغيرة، إلى تفاقم المشكلة الأمنية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي وجهت ضربات في الأسبوع الماضي إلى أهداف حوثية بصواريخ كروز ردا على هجمات صاروخية فاشلة على مدمرة تابعة للبحرية الأميركية.

وقال المسؤولون إن جانبا كبيرا من عمليات التهريب تم عن طريق سلطنة عمان المتاخمة لليمن بما في ذلك عبر طرق برية استغلالا للثغرات الحدودية بين البلدين.

ويمثل ذلك ورطة أخرى لواشنطن التي تعتبر السلطنة أحد أطراف التحاور الرئيسية وحليفا استراتيجيا في المنطقة التي تشهد صراعات متعددة.

السواحل اليمنية القريبة من نظيرتها العمانية لا تقع تحت نطاق أي سلطة حكومية لذا فإنها متاحة لتجار السلاح

وأكّد مسؤول رفيع المستوى في الإدارة الأميركية أن واشنطن أبلغت عمان بما لديها من مخاوف لكنه لم يحدد التوقيت الذي حدث فيه ذلك. وقال المصدر لرويترز “أقلقنا التدفق الأخير للأسلحة من إيران إلى اليمن ونقلنا تلك المخاوف لمن يحتفظون بعلاقات مع الحوثيين بمن فيهم الحكومة العمانية”.

وقد ظفر الحوثيون المتحالفون مع إيران بكميات كبيرة من السلاح عندما انضمت إلى صفوفهم فرق كاملة متحالفة مع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في بداية الحرب العام الماضي. غير أن السعودية والحكومة اليمنية في المنفى تقولان أيضا إن الحوثيين يتلقون كميات كبيرة من السلاح والذخيرة من إيران.

وقال المسؤولون الأميركيون والغربيون الذين تحدثوا لرويترز عن الاتجاه الأخير في عمليات نقل السلاح إن ذلك قائم على معلومات اطلعوا عليها لكنهم لم يفصحوا عن طبيعتها. وقال المسؤولون أيضا إن وتيرة نقل السلاح عبر طرق التهريب البرية المعروفة تسارعت بشكل ملحوظ غير أن أحجام الشحنات ليست واضحة.

ويسلم المسؤولون الأميركيون الذين يحذرون من الدعم الإيراني للحوثيين بوجود ثغرات استخباراتية في اليمن حيث تقلص النشاط الأميركي بشكل كبير منذ بداية الصراع. وقد طلبت جميع المصادر عدم الكشف عن أسمائها بسبب حساسية الموضوع.

وقال دبلوماسي غربي مطلع على مجريات الصراع لرويترز “نحن على علم بالزيادة الأخيرة في وتيرة شحنات السلاح التي تقدمها إيران وتصل إلى الحوثيين عن طريق الحدود العمانية”.

وأكد ثلاثة من المسؤولين الأميركيين ذلك، حيث قال أحد هؤلاء المسؤولين الثلاثة، وهو مطلع على تطورات الأوضاع في اليمن، إن الشهور القليلة الماضية شهدت زيادة ملحوظة في نشاط تهريب السلاح.

وأضاف أن “ما ينقلونه عن طريق عمان عبارة عن صواريخ مضادة للسفن ومتفجرات… وأموال وأفراد”. وقال مصدر أمني آخر من المنطقة إن الشحنات شملت أيضا صواريخ قصيرة المدى سطح-سطح وأسلحة صغيرة.

زيادة وتيرة نقل السلاح في ظل استمرار الحرب الأهلية يهدد بتوريط الولايات المتحدة في الصراع

وقال دبلوماسي إيراني رفيع المستوى إنه تم تسجيل “زيادة حادة في مساعدات إيران للحوثيين في اليمن” منذ مايو الماضي مشيرا إلى الأسلحة والتدريب والمال. وقال الدبلوماسي “الصفقة النووية منحت إيران اليد العليا”.

وأكّد مسؤول يمني صحة التقارير التي تتحدث عن زيادة في عمليات تهريب السلاح إلى الحوثيين عن طريق عمان لكنه لم يستطع الجزم بما إذا كانت تلك الأسلحة إيرانية أم لا.

وفي الآونة الأخيرة قال محمد المقدشي، رئيس أركان الجيش اليمني في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، إنه يجب على سلطنة عمان أن تكون أكثر تشددا في ما يتعلق بعمليات التهريب. وأضاف أنه يجري العمل على تشديد عملية حراسة النقاط الحدودية.

وقال مصدر عسكري يمني رفيع المستوى لرويترز إن أحد مسارات التهريب يمر بمنطقة الشحن التي تعتبر أرضا حراما بين البلدين ومنفذا لدخول محافظة المهرة على امتداد الحدود اليمنية العمانية التي يبلغ طولها 288 كيلومترا. سواء أكانت التقارير دقيقة أم غير دقيقة، يؤكد المختصون أنه لا يمكن نفي أن هذه المنطقة، وإن كانت من الناحية الرسمية تحت السيطرة الحكومية، طريق معروفة بعمليات التهريب وتضعف فيها السلطة المركزية.

وبالإضافة إلى التهريب عبر مرافئ ثانوية على امتداد الشريط الساحلي اليمني قال المصدر إن وتيرة عمليات التهريب زادت “لأن إيران تشعر بأن الحوثيين في وضع صعب وتريد أن تظهر أنها تقف إلى جانبهم حتى النهاية”.

وكان حلفاء واشنطن في منطقة الخليج قد حذروا من أن نهج التقارب مع طهران الذي اتبعه الرئيس الأميركي باراك أوباما من خلال الاتفاق النووي التاريخي الذي وقع العام الماضي لن يفضي سوى إلى زيادة جرأة إيران في الصراعات الدائرة في سوريا ولبنان واليمن وغيرها.

واشنطن تتحرى منشأ الصواريخ

تهدد زيادة وتيرة نقل السلاح في ظل استمرار الحرب الأهلية بتوريط الولايات المتحدة في الصراع الذي سقط فيه عشرة آلاف قتيل ويؤجج التنافس بين القوتين الإقليميتين؛ السعودية وإيران.

الولايات المتحدة تتجنب توجيه انتقادات علنية لسلطنة عمان التي لعبت دورا تاريخيا في التوسط للاتفاق النووي

وقد بدأ الأربعاء سريان وقف لإطلاق النار تم الاتفاق عليه بوساطة الأمم المتحدة لمدة 72 ساعة. ومنذ بداية الحرب استخدم الحوثيون صواريخ سكود قصيرة المدى وتقول الأمم المتحدة إنهم استخدموا أيضا صواريخ سطح-جو كصواريخ سطح-سطح لمهاجمة السعودية.

غير أن هجوما صاروخيا -يُشتبه أن يكون من قِبل الحوثيين- وقع هذا الشهر على سفينة تابعة للإمارات في ممر بحري استراتيجي بالبحر الأحمر، وكذلك المحاولات التي وقعت لاستهداف السفينة الحربية الأميركية تثير المخاوف بشأن قدرة الحوثيين على شن هجمات أكثر جرأة.

وأكّد مسؤولان أن الولايات المتحدة تدرس ما إذا كانت مكونات الصواريخ -بما فيها الرأس الحربي- قد استخدمت فيها أجزاء إيرانية أو أنها قادمة من إيران، غير أنهما قالا إن التقييم غير جازم حتى الآن، فيما قال الجنرال جوزيف فوتل، قائد القيادة العسكرية المركزية الأميركية، إنه يشتبه بوجود دور إيراني في تسليح الحوثيين.

وأشار إلى أن إيران من الموردين المحتملين لهذا النوع من تكنولوجيا الصواريخ المنصوبة على الشاطئ التي شوهدت في اليمن. وقال في ندوة أقيمت في واشنطن “أعتقد أن إيران تلعب دورا في هذا الأمر؛ فلها علاقة مع الحوثيين”.

وقال دبلوماسي غربي رفيع المستوى لرويترز إن الدور الإيراني في مساعدة الحوثيين تزايد بدرجة كبيرة منذ مارس عام 2015 عندما تدخل السعوديون لإعادة الرئيس عبدربه منصور هادي إلى سدة الحكم.

وتحدّث المصدر عن وجود مخاوف من ألا تكون سلطنة عمان تعاملت بالشدة الواجبة مع عمليات التهريب الإيرانية. وأضاف “في رأيي أن مستوى تهريب السلاح الإيراني لا يحظى على الأرجح بالاهتمام الذي يستحقه”. وتجنبت واشنطن توجيه انتقادات علنية لمسقط التي لعبت دورا تاريخيا في التوسط للاتفاق النووي.

قانون التوازن

وتنفي سلطنة عمان وجود عمليات تهريب للسلاح عبر حدودها. وفي حديث مع صحيفة عكاظ الأسبوعية، نشر الأسبوع الماضي، قال يوسف بن علوي، وزير الخارجية العماني، إنه لا صحة لهذا الأمر وأنه لا توجد أسلحة تمر عبر الحدود العمانية.

الخليجيون لم يتبنوا أي موقف في ما يتعلق باتهام سلطنة عمان بالتواطؤ مع إيران ومع أتباعها في اليمن لتهديد أمن بلدان خليجية

وجاء في بيان صادر عن وزارة الخارجية العمانية، ردا على خبر نشرته وكالة رويترز أن ما ورد في خبر وكالة الأنباء “ليس له أساس من الصحة، ولا توجد أي أسلحة تمر عبر أراضي السلطنـة”.

وأضاف البيان أن “مثل هذه المسائل قد تمت مناقشتها مع عدد من دول التحالف العربي والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، وتم تفنيدها والتأكد من عدم صحتها”. وأشارت وزارة الخارجية إلى أن “السواحل اليمنية القريبة من نظيرتها العُمانية لا تقع تحت نطاق أي سلطة حكومية في الجمهورية اليمنية، لذا فإن تلك السواحل متاحة لاستخدام تجار السلاح”.

ويدعم مسؤولون يمنيون ومسؤولون كبار في المنطقة موقف سلطة عمان في نفيها لأي نشاط متعلق بعمليات نقل السلاح إلى الحوثيين، إلاّ أنهم، في الوقت نفسه، يرون أن العمانيين لا يبذلون جهدا كبيرا لوقف هذه الأنشطة.

وقال عدنان هاشم، الباحث في شؤون الخليج والسياسة الإيرانية في مركز ساس للدراسات السياسية، في تصريحات لصحيفة المونيترو، إن غموضا في السياسة الخارجية لسلطنة عمان مرده محاولة “الحفاظ على الحياد” وخلق توازن، عبر الاعتراف بشرعيتين في اليمن وهما: شرعية الرئيس هادي والانقلاب الحوثي ضده.

وأفاد هاشم بأن إستراتيجية عمان تمليها رغبات “اللوبي الإيراني”، والتي يمكن أن تنفذ رؤية إيران على حساب الرؤية الخليجية من دون تعريض أمن عمان وسياستها الداخلية للخطر.

ولم يتبن الخليجيون أي موقف في ما يتعلق باتهام سلطنة عمان بالتواطؤ مع إيران ومع أتباعها في اليمن لتهديد أمن بلدان خليجية، بل إنهم يتعاملون مع هذه التقارير بحذر، ولا ينساقون بسهولة وراءها، مراعين خصوصيات الدولة العمانية، بدءا من توجهاتها المذهبية العقائدية (غالبية العمانيين، بما في ذلك أسرة السلطان قابوس الحاكمة، من أتباع المذهب الإباضي)، وصولا إلى موقعها الجغرافي ومصالحها الاقتصادية مع إيران.

ويشير هاشم إلى أن الحكومة العمانية، التي لا تدعم التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن وبمشاركة بقية دول الخليج ودول عربية أخرى، قد لا يكون لها رأي في نشاط التهريب لكنها تتهم بالتساهل معه، مشيرا إلى أن بعض المناطق في السلطنة لا تخضع لإشراف كاف من جانب السلطات، وقد سمحت الثغرات لإيران بأن تمارس نفوذها وتبني علاقات أوسع مع السلطات المحلية والقبلية في محافظة ظفار، وهي المحافظة التي لم تصبح جزءا من السلطنة سوى عام 1975.

7