الأسلمة تزحف على المجتمع عن طريق الجمعيات الخيرية وأشباه الدعاة

الأربعاء 2014/02/05
رئيس الحكومة الجديدة، مهدي جمعة، يتسلم من نظيره السابق تركة مثقلة بالمشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية

دخل الوضع في تونس مرحلة التجاذب الحقيقي بين مشروعين متناقضين، الأول يتعلق بمدنية الدولة ومبادئ قيم الجمهورية، فيما يتعلق الثاني بمشروع رجعي يسعى إلى أسلمة المجتمع، وأخونة الدولة حتى بعد الخروج المزعوم لحركة النهضة الإسلامية من الحكومة.

يطرح المشهد التونسي تساؤلات كثيرة أمام ما قام به حزب النهضة الإسلامي وحلفاؤه من التيارات المتشدّدة في المجتمع التونسي من اختراقات طالت كافة وزارات الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، وسيطرة لا تخفى على أحد لخطاب ديني متطرف تجتاح منابر الكثير من جوامع ومساجد البلاد. تساؤلات هذا المشهد واجهنا ببعضها آمال قرامي، الباحثة في الفكر الإسلامي.

كانت البداية من مستقبل الإسلام السياسي بمختلف تياراته في تونس، حيث أكدت قرامي أن هذه المرحلة ينبغي أن يستغلها حزب النهضة وبقية التيارات السلفية للقيام بمراجعة، وقالت “ما لاحظناه خلال المرحلة الانتقالية أنه لم تقع فيها مراجعة فكرية، وإنما انساق الإسلاميون في العمل السياسي دون النظر في المرجعية الفكرية، فلم ينتجوا قيادات فكرية سياسية، وإنما مارسوا العمل السياسي، وأعتقد أنه قد آن الأوان لإنتاج فكر سياسي ملائم للمرحلة طالما أنهم اكتسبوا بعض الخبرات، وربما قد يستفيدون من الأخطاء التي ارتكبوها وأيضا قد يطوروا أداءهم السياسي”.


الولاء للحزب لا للدولة


ترى الباحثة التونسية أنه “لا يمكن تصور مستقبل تونس دون حضور حزب النهضة كفاعل سياسي مع بقية الأطراف، أي أنهم لن يحكوموا بمفردهم ولكن سيكونون جزءا لا بأس به من العملية السياسية مستقبلا”.

وأكدت “أن التحدي الذي واجه المجتمع التونسي بجميع أطيافه، -أتحدث عن البسيط والعامي-، هو التغيير الحادث في نمط العيش، هناك أسلمة للمجتمع مرت عن طريق الجمعيات الخيرية و”أشباه الدعاة” الذين انتشروا في كل المساجد مما أفرز شخصيات جديدة لم تكن موجودة في المجتمع التونسي، لذلك أعتقد أن التحدي الكبير للتونسيين هو كيف يحافظون على الوحدة الوطنية، وكيف يستمرون في نمط عيش ملائم للروح والشخصية التونسيتين، فالشخصية التونسية مرنة ومنفتحة، ولعل الإطار الجغرافي المتوسطي هو الذي يسمح بهذه المرونة”.

وأوضحت “مع الأسف في الفترة التي حكمت فيها الترويكا، بهيمنة حزب النهضة، كانت هناك مشاريع لتغيير نمط المجتمع والسلوك، وصرنا نتحدث في قضايا جانبية لم تطرحها الثورة، كقضية النقاب وختان البنات وغيرهما من القضايا الوافدة على المجتمع التونسي والتي لم يعهدها من قبل، فضلا عن قضية تعدد الزوجات والزواج العرفي الذي يمارس الآن، إذ لدينا ما يزيد عن 2000 حالة زواج عرفي في دولة تجرم الزواج بثانية فما بالك بالزواج العرفي، وأعتقد أن الصعوبة هي كيف سنوقف هذا المد من أسلمة المجتمع وأسلمة مؤسسات الدولة”.

ولفتت إلى أن حركة النهضة ولئن خرجت من الحكم، لكنها أبقت عناصرها في مؤسسات الدولة الفاعلة وهم عناصر يؤمنون بالولاء لحزب النهضة، على حساب الولاء للدولة.

أمال القرامي: أعتقد أن المرحلة القادمة ستكون أيسر مما مضى والسنوات العشر القادمة هي من أصعب فترات التاريخ المعاصر التونسي

وحذرت الباحثة من الصعوبات التي يواجهها المجتمع التونسي، وقالت “إن الفقر والتردي الاقتصادي وتدفق الأموال من الخارج، إلى جانب الولاء لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، كلها مخاطر على المجتمع التونسي، فهناك كثير من وزرائنا اليوم يرفعون شعار رابعة في كل مكان”.

ويبدو المجتمع التونسي، الذي كثيرا ما افتخر بتضامنه نتيجة وجود طبقة وسطى قوية حافظت على استقراره وخففت الضغط الاجتماعي على الفئات الهشة، مهددا اليوم في استقراره بعد أن عصفت به التحولات وقادت إلى بروز مظاهر الثراء الفاحش لدى نسبة قليلة من الأثرياء الجدد مقابل استفحال ظاهرة الفقر لدى غالبية التونسيين.

وقبل أن تتولى حركة النهضة الإسلامية الحكم في أكتوبر 2011 كان الفقر يعشش في الأحياء الشعبية المتاخمة للمدن وخاصة تونس العاصمة وفي عدد من الجهات الداخلية التي تفتقد الثروات الطبيعية، لكن اليوم استشرى الفقر بصفة لافتة لدى شرائح من المجتمع كانت تصنف ضمن خانة الطبقة الوسطى مثل الموظفين والأجراء والعمال.


لعبة الإرهاب


حول إمكانية انجرار المجتمع التونسي تحت وطأة الفقر والجهل والشيوخ والدعاة إلى التطرف والعنف، قالت آمال قرامي “ما نراه في المظاهرات والاحتجاجات يوضح أن المجتمع التونسي غير قابل للانخراط في لعبة الإرهاب والعنف السياسي وغير ذلك، لذلك أعتقد أن الحصانة ستكون من داخل المجتمع ذاته، لأنه مدرك بأن الانخراط في هذه التجربة سيؤدي إلى استنزاف القدرات الشبابية في حرب أهلية… وهناك وعي وخوف لدى التونسي من عيش تجربة مماثلة لما حدث في الجزائر خلال التسعينات، ومما حدث وما يحدث اليوم في مصر.. وحتى لا تعيش تونس تجربة مماثلة نحن نحاول قدر الإمكان تحقيق التوافق الداخلي”.

ورأت قرامي أن الدرس الذي خرجت به التجربة التونسية، يجعلها في حذر، “لقد اكتسب المواطن التونسي شخصية مغايرة تماما، لم يعد صامتا أو خانعا أو يهتم بأكله وغذائه اليومي فقط، بل أضحى واعيا بالحراك السياسي، وارتفع سقف مطالبه. كل حكومة الآن، مهما كان شعارها إسلامية أو سلفية أو ليبرالية أو اشتراكية، عليها أن تعي بأن استحقاقات الثورة لابد أن تكون في الصدارة وإلا سينقلب عليها الشعب. فالخطاب السياسي ينبغي أن يخاطب عامة الشعب بما يرضي مطالبه وطموحاته، ليست القضية قضية صلاة وصوم وشريعة وتطبيق الحدود وغير ذلك، ولكن القضية تتعلّق بالخروج من أزمة البطالة والفقر والمؤسسات المهترئة، هذه هي الملفات التي ينبغي أن تكون لها الأولوية لدى أية حكومة”.

وتختم آمال قرامي، “هناك رهانات كبرى ولا أعتقد أن المرحلة القادمة ستكون أيسر مما مضى ولكن هناك مكتسبات تحققت وهناك وعي، وأنا أعول كثيرا على الوعي الذي نلمحه لدى المواطن، ولكن تبقى السنوات العشر القادمة بطبيعة الحال من أصعب فترات التاريخ المعاصر التونسي”.


اقرأ في العرب أيضا:



الغنوشي يقود حملة لتلميع صورة النهضة

6