الأسلوب هو سر الرسم

الفن يتغيّر من خلال أساليب الفنانين وليس من خلال موضوعاتهم. وإذا ما كان الأميركي أندي وارهول قد فرض المبتذل والعادي باعتباره موضوعا، فإنه هو الآخر طرح أسلوبا جديدا في المعالجة الفنية.
الاثنين 2019/09/02
بابلو بيكاسو رسم كل شيء ولم يفكر أن هناك مَن سبقه إلى رسمه

 “لم يعد هناك ما يُرسم”، ذلك قول صحيح. لقد رسم الرسامون عبر العصور كل شيء. ولكن الجسد البشري رسمه روفائيل وروبنز ورامبرانت وغويا وبيكاسو وديغا وغوغان وماتيس ولا يزال ممكنا باعتباره مشروعا للرسم.

قضى مودلياني حياته وهو يرسم صورا شخصية ثم تلاه لوسيان فرويد بطريقة مختلفة، غير أن ديفيد هوكني لم يجد حرجا حين رسم صور أصدقائه.

سحرت الحياة الصامتة “الجامدة” الكثير من الرسامين فأبدعوا من خلالها، لكن من خلال موضوع لا قيمة له. فعلا رسم الرسامون كل شيء. ولكن ذلك لا معنى له. فالموضوع لا قيمة له في الرسم.

لقد رسم الرسامون عبر العصور المشاهد الطبيعية غير أن كلود مونيه رسم المشاهد التي تتسابق متاحف الفن على اقتنائها. وإذا ما كان علينا أن نتذكر البريطاني تيرنر فإنه لم يرسم سوى البحر، غير أن كل لوحة منه تعرض بحرا مختلفا. لن يقف تيرنر عائقا بيننا وبين رسم البحر من جديد. ليس البحر ملكا لتيرنر.

لقد رسم بابلو بيكاسو كل شيء ولم يفكر أن هناك مَن سبقه إلى رسمه. حاول ذات مرة أن يعيد رسم لوحة ديلاكروا “نساء الجزائر”، غير أن لوحته تكاد تكون أهم من لوحة ديلاكروا.

ما السر في ذلك؟ الأسلوب. نعم الأسلوب. من خلاله يستطيع الرسام أن يستولي على موضوعات عامة لكي تكون موضوعاته. ولكن شيئا من ذلك لا يعنيه. فهو من خلال أسلوبه يتحرّر من ماضيه ويتقدّم بالفن خطوات في اتجاه مستقبله.

الفن يتغيّر من خلال أساليب الفنانين وليس من خلال موضوعاتهم. وإذا ما كان الأميركي أندي وارهول قد فرض المبتذل والعادي باعتباره موضوعا، فإنه هو الآخر طرح أسلوبا جديدا في المعالجة الفنية.

ليس صحيحا القبول بما أنجزه الفنانون الكبار باعتباره نهاية للفن. الصحيح أن نتأمل تجاربهم ونقوم بنزهة بينها لا لنتعرّف على موضوعاتهم بل لكي نتعلّم من أساليبهم. الأسلوب هو سر الرسم.

16