الأسماء ماركة مسجلة

الأسماء المثيرة للسخرية أصبحت نادرة، وربما انقرضت في المجتمع التونسي، حيث انتشرت أسماء من ثقافات مختلفة تركية وإيرانية وأوروبية، جاء أغلبها من أبطال وبطلات المسلسلات ومن مقترحات غوغل لأحلى الأسماء.
السبت 2018/11/24
الاسم هوية حامله

في عائلتي تقليد غريب وهو التنافس على تسمية الأبناء بأسماء نادرة ومستمدة من كتب التاريخ والأدب. كلما كان الاسم ذا دلالة تاريخية وثقافية دلّ ذلك على سعة ثقافة الأب واطلاعه وحتى على مكانته الاجتماعية، ففي الماضي كانت الكتب ومكتبات البيوت دليلا على مكانة العائلة.

لذلك، يندر أن تجد اسما مكررا في العائلة (إلا اسم محمد)، حتى أني أتذكر طرفة نتندر بها أحيانا عند الحديث عن هذا التقليد القديم، وهي أن أحد أعمامي اختار لابنه اسم آية الله (لا علاقة للاسم بإيران، لأن آية الله هذا ولد قبل ثورة الخميني بسنوات).

أعجب الخمّاس (رئيس العمال الذي يشرف على غابة النخيل في الجريد) باسم آية الله، فأطلقه على ابنه أيضا، فغضب عمي وألزمه بتغيير الاسم، مستنكرا ذلك بقوله “قضيت أياما وليالي وأنا أبحث وأدقق في الكتب لتأتي أنت بكل سهولة وتطلق الاسم على ابنك”. الاسم صار ماركة مسجلة لصاحبه.

على هذا المنوال سار جدي وأبي وأعمامي، وحتى الجدات. اسمي أيضا تكمن وراءه قصة طريفة، وهي أن أمي وعماتي اخترن لي اسما كان رائجا في الثمانينات، وهو اسم إلهام (أعتقد أنه في علاقة بالفنانة المصرية إلهام شاهين).

لم يقنع الاسم جدتي التي رفضت أن تسمى حفيدتها الأولى باسم “لا تاريخ له” وأطلق على غيرها من البنات في ذلك الوقت. اختارت لي جدتي اسم حذام، نسبة إلى زرقاء اليمامة، التي تقول كتب التراث إنها شخصية عربية من أهل اليمامة بنجد، عرفت بحدة البصر ويزعم أنها كانت ترى القافلة من على مسيرة ثلاثة أيام. وتقول رواية أخرى إنها حذام بنت الريان بن خسر بن تميم وعرفت بحكمتها ورأيها السديد، وفيها يقول الشاعر “إذا قالت حذام فصدقوها، فإن القول ما قالت حذام”.

وتطول القائمة وتتنوع الأسماء فيها بين جميل وفريد وغريب. وما زالت هذه الظاهرة متوارثة في عائلتنا. لا أذكر أن هناك اسما من أسمائنا الغريبة أثار سخرية أو كان مصدر إزعاج، وإن كان دائما هناك سؤال عن معنى الاسم. وأنا من المناصرين لها بشرط ألا تكون الأسماء صعبة على النطق، باللغة العربية أو بغيرها، أو مثيرة للسخرية.

والملاحظ أن الأسماء المثيرة للسخرية أصبحت نادرة، وربما انقرضت في المجتمع التونسي، حيث انتشرت أسماء من ثقافات مختلفة تركية وإيرانية وأوروبية، جاء أغلبها من أبطال وبطلات المسلسلات ومن مقترحات غوغل لأحلى الأسماء.

 جميل أن يكون الاسم مميزا وذا معنى ودلالة لغوية أو تاريخية، لكن ذلك لا يعني المبالغة أو التفنن في اختيار الغريب من الأسماء لمجرّد التميز. فالاسم سيكون هوية حامله لا هوية والده أو من سمّاه.

24
مقالات ذات صلة