الأسماك تستدرج الدول العربية إلى حرب البحار

الثلاثاء 2013/10/01
اختراق الصيادين للمياه الإقليمية.. خلافات اقتصادية وأزمات دبلوماسية تلوح في الأفق

جاءت مطالبة النقابة العامة لعمال الصيد البحري في فلسطين بإلغاء الحكم الصادر بحق الصيادين الخمسة من قطاع غزة بالسجن لمدة عام وغرامة نحو 100 دولار، لانتهاكهم المياه الإقليمية المصرية، لتلقي الضوء على الصراع من أجل صيد الأسماك في المنطقة العربية.

النقابة قالت، في بيان لها قبل أسبوع، إن «القوات البحرية المصرية قامت باعتقالهم بشكل مخالف للقانون وللأعراف الدولية»، داعية مؤسسات حقوق الإنسان وجامعة الدول العربية لتحمل مسؤولياتهما تجاه صيادي غزة والعمل على الإفراج عنهم، موضحة أن الصياد الفلسطيني يعيش حالة اقتصادية صعبة وتراجعا في الدخل بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة مما أدى إلى ممارسة 10بالمئة فقط من الصيادين الفلسطينيين نشاطهم من بين 3700 صياد.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها احتجاز الصيادين العرب وزوارقهم لتجاوزهم حدود المياه الإقليمية لدول عربية أخرى في سعيهم للرزق، أو للتوسع في نشاط صيد الأسماك لتلبية الاحتياجات المتزايدة من هذه النوعية الغذائية في الدول العربية. وتعرض الصيادون المصريون ومراكبهم من قبل ولمرات عديدة لاحتجاز من قبل سلطات عربية عديدة، وكان آخر هذه الأحداث إلقاء مجموعة من الثوار الليبيين في مايو- أيار الماضي القبض على ثلاثة مراكب صيد مصرية من محافظة كفر الشيخ وعلى متنها 51 صيادا بعد أن اعترضوا المراكب بمياه البحر المتوسط أثناء قيامها برحلة صيد إلى مالطة.

وهددت المجموعة الليبية الصيادين بالأسلحة واصطحبتهم إلى ميناء بنغازي حيث تم احتجازهم بتهمة التعدي على الثروة السمكية الليبية. أيضا، قال شيخ الصيادين بالسويس بكري أبو الحسن، في فبراير- شباط الماضي، إن السلطات السعودية تحفظت على مركب صيد انطلق من خليج السويس بعد أن انتهك المياه الإقليمية للسعودية دون ترخيص.

وتم من قبل احتجاز عشرات الصيادين المصريين في السودان واليمن ولبنان وليبيا وتونس والسعودية بتهمة انتهاك المياه الإقليمية لهذه الدول، فيما بدا أنه نوع من الصراع على الثروة السمكية التي أصبح الطلب عليها كبيرا وصارت أرباحها هائلة، بينما يخشى من تحولها إلى سلعة نادرة مع استنزافها بالإفراط في استهلاكها.


صراعات وأزمات


يرى الخبراء أن سبب لجوء الصيادين المصريين إلى الذهاب بسفنهم إلى المياه البعيدة يرجع إلى تضاؤل الثروة السمكية في المياه الإقليمية والصيد الجائر وتلوث البحيرات المصرية، إلى جانب عدم الاستغلال الأمثل لبحيرة ناصر. ويطالب الخبراء بالتوصل إلى اتفاقية للتعاون في مجال صيد الأسماك بين الدول العربية تحت رعاية جامعة الدول العربية، منعا لهذه الصراعات والخلافات الاقتصادية والأزمات الدبلوماسية.

وتشهد الساحة اليمنية حالة غليان بسبب استمرار إريتريا احتجاز مئات الصيادين اليمنيين في سجونها بتهمة صيد الأسماك في المياه الإقليمية، وشكل مجلس النواب اليمني لجنة لمتابعة قضية الإفراج عنهم، وقرر إرسال وفد برلماني إلى إريتريا لبحث حل هذه المشكلة التي ترجع إلى خلافات بين الجانبين اليمني والإيرتري حول الصيد التقليدي في المياه الدولية. وتواجه السواحل اليمنية هجمات من شركات الصيد العالمية التي تمارس الصيد الجائر لتحقق أرباحا ضخمة، مما يؤثر على الصيادين التقليدين الذين يستخدمون المراكب الصغيرة وأدوات الصيد البسيطة، ويقدر الخبراء خسائر اليمن بنحو 200 مليون دولار سنويا نتيجة تعرض الصيادين اليمنيين لاعتداءات من جانب السفن الأجنبية.

وتفيد التقديرات إلى أن هناك أكثر من 350 ألف أسرة تعتمد في معيشتها على صيد السمك في اليمن تتعرض أوضاعها للتدهور لفقدانها المصدر الرئيسي للرزق.

وظهرت أيضا مشكلة القراصنة الصوماليين الذين يحتجزون الصيادين ويستولون على مراكبهم للمطالبة بفدية، الأمر الذي دفع الدول الكبرى إلى إرسال بوارج حربية لحماية سفنها مما زاد من معاناة الصيادين اليمنيين وتعرضهم لإطلاق نار من هذه البوارج التي تعجز عن التفريق بين صائدي الأسماك والقراصنة بسبب تشابه الملامح.


معاناة الصيادين العراقيين


إذا انتقلنا إلى العراق نجد أن معاناة الصيادين العراقيين لا تزال مستمرة بسبب الاعتداءات المتكررة لقوات خفر السواحل الإيرانية عليهم واعتقال عدد منهم، ولم تعد للصيادين العراقيين مساحة للصيد في مياه شط العرب العراقية. كما يتعرضون للاحتجاز من قبل السلطات الكويتية.

ولم تسلم زوارق الصيادين اللبنانيين من المضايقات فكثيرا ما تتعرض للاحتجاز ولإطلاق النار من جانب القوات البحرية السورية. فيما وثق المجلس الفلسطيني لحقوق الإنسان وقوع 15 انتهاكا ضد الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة على أيدي القوات البحرية الإسرائيلية.

وتؤكد الدراسات الاقتصادية التي أجريت في هذا الصدد، على ضرورة التعاون بين الدول العربية للحفاظ على حقوق الصيد ولتنمية الثروة السمكية، خاصة مع توسع احتياجات المواطنين العرب من المأكولات البحرية مع زيادة عدد السكان والطلب على المواد الغذائية وزيادة الوعي الصحي والإقبال على الأسماك كمصدر غني بالبروتينيات يعوض عن اللحوم الحمراء التي ارتفعت أسعارها بسبب ندرة المراعي.

وتوضح هذه الدراسات أن هناك فرصا واعدة لتنمية الثروة السمكية في العالم العربي، فوفقا لبيانات منظمات الحفاظ على البيئة العالمية يمتلك العالم العربي 30 ألف كيلومتر من السواحل ويمتد من المحيط الأطلسي حتى الهندي، ولكن يجب التغلب على مشكلات التلوث.

ويعاني البحر المتوسط من صرف مخلفات الأنشطة الصناعية والصرف الزراعي الذي يحتوي على مخلفات الأسمدة الكيمائية مما يؤثر على الثروة السمكية إلى جانب التلوث الناتج عن السفن العابرة، فيما تعاني منطقة البحر الأحمر التي تعد من المناطق البيئية الفريدة في العالم، من تهديدات مختلف الأنشطة البشرية وتوسع السياحة، وكذا تتعرض منطقة خليج عدن للتلوث بسبب منشآت البترول المقامة في المنطقة.

ومن المشكلات الأخرى، الصيد الجائر وعدم استخدام الأقمار الاصطناعية للكشف عن تجمعات الأسماك مما يتطلب تعاونا عربيا أوسع نطاق بدلا من اللجوء إلى استيراد الأسماك.


التوسع في الثروة السمكية


يرى مختصون إمكانية التوسع في الثروة السمكية العربية، عن طريق زيادة المزارع السمكية التي يتوقع لها أن تسد ما نسبته 50 بالمئة من الاحتياجات من الأسماك، واستخدام أحدث وسائل التصنيع والتعبئة والتوزيع، خاصة في ظل التحديات التي تمثلها الشركات العالمية الكبرى التي تسعى إلى السيطرة على المصائد نظرا لتعاظم الأرباح، حيث بلغت قيمة تجارة منتجات الأسماك في العالم عام 2010 نحو 102 مليار دولار.

وترجع أسباب التنافس العالمي على المصائد إلى ارتفاع استهلاك الأسماك عالميا حيث بلغ متوسطه أكثر من 18 كيلوجراما للفرد سنويا، نتيجة زيادة الوعي الغذائي وارتفاع مستويات المعيشة في آسيا ونشر ثقافة أن تناول الأسماك يحسن الصحة، إلى جانب تزايد الهجرة إلى المدينة حيث أن سكان المناطق الريفية الداخلية يميلون إلى تناول اللحوم.

وتشير دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» إلى أن حصيلة الأسماك من المصائد والمزارع في العالم 2011 بلغت 154 مليون طن تقدر قيمتها بنحو 217 مليار دولار، وأن النسبة السنوية لزيادة الإنتاج تبلغ 3.2 بالمئة.

وقالت إن الأسماك تزود حوالي ثلاثة مليارات من سكان العالم بما نسبته 20 بالمئة من احتياجاتهم من البروتين، وأن عدد سفن الصيد في العالم يبلغ أكثر من 4 ملايين سفينة.

هذا الأمر يحفز الدول العربية على التعاون لبناء أساطيل مشتركة تستخدم التقنيات الحديثة في الصيد وتصنيع الأسماك.

وتشكل الأسماك أهم موارد الثروة المائية في الوطن العربي وأوسعها انتشارا وأكثرها استغلالا.

ويعزى ضعف الإنتاج السمكي في الوطن العربي مقارنة بالإمكانات والطاقات المتاحة، إلى عدة عوامل ومعوقات تتمثل أساسا في بدائية وسائل الصيد، وعجز قدرة الصيادين على جلب واقتناء وسائل الصيد الحديثة، وضعف الاستثمارات الموجهة إلى هذا القطاع الذي يحظــى الوطــن العربي فيه بميــزات نسبية معتــبرة.

7