الأسواق التضامنية سلاح الجزائر الأخير لإطفاء حريق الأسعار

شكّك محللون في جدوى الإجراءات الجديدة التي فرضتها الحكومة الجزائرية لمواجهة انفلات الأسواق وارتفاع الأسعار قبل حلول شهر رمضان. وقالوا إن السياسات الحكومية المتناقضة هي التي تخدم لوبيات الاحتكار والمضاربة التي تخنق الأسواق.
الخميس 2017/05/18
جشع اللوبيات يتحدى القوانين

أطلقت الحكومة الجزائرية آليات جديدة لكسر الاحتكار والغلاء، عبر استحداث أسواق تضامنية للمواد الغذائية الأساسية في محاولة لتحرير النشاط التجاري من قبضة لوبيات المضاربة والاحتكار.

وتأمل الحكومة من وراء الخطوة في التحكم بالأسواق المحلية مع اقتراب حلول شهر رمضان، الذي يتزايد فيه إقبال المواطنين على الاستهلاك.

وأبدى تجار رفضهم لتلك المساعي بسبب تضارب ظاهرها والمتمثل في التضامن الاجتماعي بين التجار والمستهلكين، وتشير في باطنها إلى محاولة ابتزاز التجار من طرف الهيئات الحكومية المحلية.

وتسود السوق الجزائرية حالة من الغلاء وندرة بعض السلع، بسبب سياسة حصص الاستيراد، بدعوى تقليص فاتورة الواردات وحماية احتياطات النقد الأجنبي.

لكن محلّلين يقولون إن سياسات الحكومة أدت لانتشار الاحتكار بشكل غير مسبوق وارتفاع نسبة التضخم إلى مستويات قياسية خلال العام الماضي، حيث وصل إلى 8 بالمئة ما قوّض القدرة الشرائية للمستهلكين.

العزري عمر: لا يعقل تضامن التجار لوحدهم مع المستهلكين دون مساهمة الحكومة

وتحاول الحكومة تلافي سيناريو المواسم الرمضانية السابقة، حيث تعجز الأجهزة الحكومية عن ضبط الأسواق والتحكم في الأسعار، إلا أنها اصطدمت بامتعاض التجار من محاولات الابتزاز.

وفرضت الإدارات المنظمة على التجار دفتر شروط يتضمن رسوما لتأجير مساحات البيع لدى مصالح البلديات ومراكز العرض تتراوح بين 500 وألف دولار.

وعبّر منسق المكتب التنفيذي للتجار بسوق الجملة في ضاحية السمار بالعاصمة العزري عمر، عن استغراب التجار بشأن إرغامهم على دفع الرسوم، كحقوق إيجار لمساحة البيع.

وقال إن “التجار ليسوا مطالبين بالتضامن لوحدهم مع المستهلكين، فهناك جهات أخرى لا بد أن تساهم في العملية، وإلا صارت بلا معنى ولا جدوى منها، لأنها باتت شكلا من أشكال التحايل”.

وكانت وزارة التجارة تنظم الأسواق الموسمية في مساحات مجاورة للمباني الحكومية لاستقطاب أكبر عدد من المستهلكين وكسر الغلاء والابتزاز اللذين تعيشهما الأسواق المحلية.

وتشكل المضاربة والاحتكار أكبر الهواجس التي تؤرّق الحكومة في السنوات الأخيرة، خوفا من انفجار اجتماعي احتجاجا على تراجع القدرة الشرائية وانتشار الفقر بسبب إجراءات التقشف الحكومية.

وانتهجت الحكومة سياسة حصص الاستيراد رغم الانتقادات والضغوط من بعض دول الاتحاد الأوروبي، لأن تلك السياسة تتعارض مع الاتفاق المبرم مع الجزائر في عام 2007.

وتعتمد الجزائر في تموين أسواقها بشكل كلي على الواردات. وتعتبر الصين وفرنسا الشريكتان الرئيسيتان معها في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية.

ويقول محللون إن تحديد حصص الاستيراد هو السبب الرئيسي وراء ظهور لوبيات المضاربة والاحتكار بسبب غموض عملية اختيار المستوردين وافتقار الحكومة للإحصاءات الواضحة بشأن الاستهلاك المحلي.

إسماعيل لالماس: السوق الموازية المؤثر الأول في الأسعار والإجراءات لا تخدم الخزينة الحكومية

وفشلت جميع الجهود الحكومية في ضبط ومراقبة الأسعار، حتى مع الخضر والفواكه التي تحقق الجزائر فيها اكتفاء ذاتيا.

واعترفت وزارة التجارة بسطوة لوبيات الاحتكار على تجارة معظم المحاصيل مثل البطاطس التي قفزت أسعارها خلال الأسابيع الماضية إلى 1.5 دولار للكيلوغرام.

وأكدت مصادر في سوق الجملة قرب العاصمة في تصريحات لـ”العرب” أن لوبيات الاستيراد هي التي تقف وراء التهاب الأسعار في الأسواق المحلية.

وأوضحت أنه كان هناك في السابق نوع من المنافسة بين المستوردين، لكن تحديد الوزارة للحصص وشركات الاستيراد، أشعل الأسعار بسبب لوبيات الاحتكار والمضاربة.

ويرى الخبير المالي إسماعيل لالماس، أن الأسواق التضامنية قد تسهم في كسر الغلاء والمضاربة، لأن الإمكانيات لا تسمح بانتشارها في جميع مدن البلاد، ولذلك ستبقى في العاصمة والمدن الكبرى، الأمر الذي يمنعها من كسر الأسعار.

وقال إن “مسألة غلاء الأسعار وارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية، لا يمكن محاربتها بالحملات الدعائية والدينية، بل بوضع رؤية اقتصادية لا تعتمد على الحلول الارتجالية والسهلة”.

وأشار إلى أن الحكومة أقرّت في قانون الموازنة العامة في العامين الأخيرين حزمة من الرسوم والضرائب لتعزيز الإيرادات وتغطية العجز، لكنها لم تضع في الحسبان أن نصف النشاط الاقتصادي والتجاري المحلي يتم في السوق الموازية.

وشدد لالماس على أنه “كان لزاما على الحكومة وضع آليات مرنة لتقنين السوق الموازية، المتسبّب الأول في ارتفاع مؤشر الأسعار قبل التفكير في إجراءات غير شعبية أوجعت المستهلك ولم تستفد منه الخزينة”.

وقال إن “فتح تجار الجملة لمساحات البيع في هذه المناسبات يكون بهامش ربح ضئيل جدا، وأن فرض الحكومة التأجير سوف يجعل نشاطنا عديم الجدوى أو يعرضنا لخسائر، وهو أمر نرفضه”.

11