الأسواق المالية تتجاهل ضم روسيا للقرم

الاثنين 2014/03/24

كيف نفسر تراجع أسعار الذهب والنفط وصعود الأسهم في الاسبوع الماضي رغم أن الأزمة الأوكرانية أعادتنا إلى أجواء الحرب الباردة؟

هل يمكن أن نقرأ في ذلك أن رؤية الأسواق الثاقبة تستبعد أن تؤدي الجعجعة السياسية والتهديدات بالعقوبات الى تغيير الواقع على الأرض؟

فأسعار الذهب التي تعد مقياسا لمخاوف الأسواق من عدم الاستقرار تراجعت بأكثر من 50 دولارا للأوقية (الأونصة) في نهاية الأسبوع الماضي، عما كانت عليه في ذروة التوتر حين بلغت نحو 1392 دولارا. ويكشف ذلك أن المتعاملين غير قلقين من التطورات السياسية المتفجرة.

أما أسعار النفط وخام برنت تحديدا، لأنه الأقرب الى تداعيات الأزمة مع روسيا، فقد ابتعد في نهاية تعاملات الأسبوع بنحو 6 دولارات عن الذروة التي بلغها عند تفجر الأزمة حين بلغ 112 دولارا للبرميل.

حدث ذلك رغم أن إمدادات الغاز والنفط الروسية، التي تمثل نحو ثلث الامدادات الأوروبية، لا تزال في قلب المواجهة الروسية الأوروبية بشكل خاص، لأن حجم الاواصر التجارية بين أوروبا وروسيا أكبر بكثير من الروابط القليلة بين روسيا والولايات المتحدة، خاصة في مجال الطاقة.

حتى أسواق الأسهم شهدت أسبوعا طيبا وركزت أنظارها الى تزايد علامات انتعاش الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأميركي بشكل خاص، وفي ذلك مفارقة في ظل أجواء التوتر العالمي.

يمكن ببساطة الحديث عن أنه رغم جولتين من العقوبات من كل من واشنطن وبروكسل وحديث واسع في نهاية الأسبوع الماضي عن امكانية توسيعها الى مجالات الطاقة والمال، فإن الأسواق تبدو واثقة أنها لن تؤثر على ما يحدث على الأرض.

ويبدو أنها تستبعد إلى حد بعيد أن تمتد الى إمدادات النفط والغاز، التي لا يمكن لأوروبا الاستغناء عنها، بل إن أوكرانيا يمكن أن تصاب بالشلل التام إذا توقفت امدادات الغاز الروسية.

الواضح أن رهان الأسواق يستند إلى أن روسيا أكثر اعتمادا على عوائد صادراتها من النفط والغاز إلى أوروبا، من ارتهان أوروبا لتلك الإمدادات، خاصة ألمانيا التي يصل اعتمادها على روسيا الى نحو 40 بالمئة من حاجتها المحلية.

القراءة المتمعنة لأرقام الأسواق تشير الى أن التأثير الأكبر للأزمة سيقع على الاقتصاد الروسي رغم تواضع نطاق العقوبات. فالأسهم الروسية فقدت نحو 11 بالمئة من قيمتها منذ بداية الشهر الحالي وتسارع الانحدار يوم الجمعة حين فقدت نحو 3 بالمئة.

كما اتسع انحدار الروبل الروسي مقابل العملات الرئيسية وتسارع نزوح رؤوس الأموال عن الاقتصاد الروسي. وبدأت العقوبات تؤثر على الحياة الاقتصادية بعد أن أوقفت مؤسستا فيزا وماستر كارد تعاملاتهما مع مصرفين روسيين وخفضت مؤسسات التصنيف الائتماني توقعاتها لآفاق الاقتصاد الروسي.

وللإجابة على السؤال الذي بدأنا به، يمكن القول أن الأسواق لا تتوقع انعطافات كبيرة في الأزمة وأن العقوبات الخجولة ستفرض في النهاية حلا دبلوماسيا للأزمة، خاصة بعد أن وقّع الاتحاد الأوروبي الجانب السياسي من اتفاق الشراكة مع أوكرانيا، الذي كان إلغاؤه سبب تفجر الأزمة.

أخيرا لا بد من التذكير بالبديهية الراسخة في الدول المتقدمة بأن حجم الأحداث يقاس بمستوى ردود فعل الأسواق المالية التي تضع أموالها وتحركها بناء على تقديرها الدقيق لما يحدث، بعيدا عن التصريحات السياسية الرنانة والنظريات الحماسية.

الأمر يشبه أن تسأل شخصا عن توقعاته لمباراة بين فريقه وفريق آخر، فيرجح فوز فريقه… لكنك حين تسأله أن يراهن بأمواله على تلك التوقعات، فإنه سيتحول الى شخص واقعي ويرجح نتيجة أخرى.

11