الأسيران، المثقف والمفكر

الأحد 2016/08/07

ثمة الكثير من الأسئلة التي يطرحها المثقفون والمفكرون في الغرب. الأسئلة حافلة بالتنوع بشكل تحتاج إلى تصنيفات ملونة مثل درجات قوس قزح. هذا ما يجعل المجال الثقافي والفكري ثريا جدا، ومنابره متنوعة وملونة بدورها.

طبيعة الأسئلة التي يطرحها هؤلاء تتركز على أبعاد ما يحدث في الغرب والعالم الآن. مثقفو الغرب ومفكروه معاصرون في قضاياها ونظرتهم للأشياء. لا أحد يسأل أسئلة عبثية تتقصى التاريخ. لا أحد من مثقفي بريطانيا مثلا يسأل لماذا انهارت الإمبراطورية البريطانية على الرغم من أن البعض منهم قد عاصر مرحلة الانهيار هذه وهي شيء طري في الذاكرة نسبيا وليس من التاريخ السحيق. هذه الأمور حسمت في يومها وأدلى مثقفو المرحلة بدلوهم وطرحوا التساؤلات وحاولوا الرد عليها. غير هذا هو عمل المؤرخين لا المثقفين.

مثقف الغرب اليوم أو مفكره يطرح أسئلة من نوع آخر. الكثير من هذه الأسئلة تتعلق بأخلاقيات التطور الراهن الذي يعيشه. خذ أمثلة.

المثقف يقف متوترا أمام التطوّر الكبير الذي يحققه الذكاء الصناعي. المنظومات المعقدة التي تطورت مع تطور سرعة الكمبيوترات وتقدم القدرات البرمجية لأجيال المهندسين الجديدة، صارت تمثل تحديا أخلاقيا. الأسئلة التي يطرحها دخول الذكاء الصناعي الحياة العملية كثيرة ومعقدة. على المثقف، وبشكل أكبر المفكر، أن يردّ على أسئلة من نوع: إلى أيّ مدى نسمح للذكاء الصناعي باتخاذ القرار بديلا عن الذكاء الإنساني؟ هل يقرأ الطبيب نتائج الاختبارات التي أجريت على دم المريض ليقرر الدواء أم يترك برنامجا ذكيا لكتابة الروشتة؟ هل تقرر العيون الذكية التي تراقب الحدود بحثا عن المهربين وتجار المخدرات أن تطلق النار عليهم من دون تدخل بشري؟ من المسؤول إذا دهست سيارة من دون سائق شخصا في الطريق؟ ما مصير العامل إذا استبدل بالكامل بمنظومة ذكية؟ هل من حق بريد غوغل أن يقترح عليك إعلانا عن مسرحية ما إن يجمع ما يكفي من المعلومات عن اهتماماتك ويكتشف ولعك بشكسبير؟

على المفكر أن ينظر عميقا في أخلاقيات الصحة والطب والدواء. الاكتشافات الطبية غيرت حياة العالم وأطالت الأعمار. هل العمر الطويل شيء أفضل للبشرية أم أن الحياة اختطت مسارها منذ الخليقة لكي تتجدد وتتغير بدلا من أن تعلق بسنوات الكهولة؟ هل الشباب مسؤولون عن إعانة كبار السنّ لمدى زمني مفتوح عبر دفع حصة كبيرة من رواتبهم لصناديق تقاعد الجيل السابق؟ متى يحين وقت التقاعد؟

تخطيط: حسين جمعان

المفكر ينظر جديا إلى واقع التطور في التعليم وما يمكن أن يقدم للأطفال والشباب أو في التعليم المستمر. هل نعلم أطفالنا معارف أعمق أم أوسع بعمق أقل؟ الكتاب أم الكمبيوتر اللوحي؟ الرياضة الذهنية أم الرياضة الجسمية؟ تدريب مبكر على الكمبيوتر وألعاب الفيديو أم ورق وقلم وكتب؟ متى نتوقف عن تعليم البالغين، أم هل نستمر؟

المثقف يسأل عن الثورة التقنية وأثرها في الثقافة، بكل أوجهها. ماذا يحدث إذا أنهت الثورة التقنية وعصر الاتصالات مركزية الثقافة وكيف سيكون شكل المجتمع؟ من يحتاج إلى أحزاب يسار ويمين إذا كان بوسعنا الالتفاف من حول تغريدة على تويتر أو رسالة من فيسبوك؟ كيف يمكن لليمين أن يصبح يمينا والكثير من ناشطيه من دعاة المساواة الاجتماعية كما يردّدون عبر الشبكات الاجتماعية؟ ماذا تبقى لليسار غير التأمل بعد أن سحبت المجموعات المتوالدة آنيا على الإنترنت البساط من تحت قدميه وهزت قدرته على تأليب الناس ضد انعدام العدل؟

هذه قضايا حيوية ومهمة وتطرح نفسها كل يوم في الغرب. وثمة قراءات متواصلة وناشطة في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى وفي حلقات الإعلام البديل.

المثقف ليس صنعة محاصرة في النقد الأدبي ومراجعة الكتب. المفكر ليس مهنة النقاش في القضايا السياسية والدين. هذان عضوان حيويان في مشهد الحياة اليوم ومن غير المقبول أن نغلق عليهما حجرة الأدب والسياسة والدين ونتركهما هناك كما هو حال مثقفنا ومفكرنا في العالم العربي.

لا بد من الاعتراف بالإحباط من الدور المتعثر للمثقف العربي. لا بد من الاحتجاج على الدور الذي يضطلع به المفكر العربي. هذان الأسيران عند نفسيهما قبل أن يكونا أسيري المجتمعات التي يمثلانها. هذا الأسر في الموضوع والتاريخ والاهتمام نعاني منه جميعا وبشكل يومي، في كل صفحة ثقافة لا اهتمام لها إلا النقد الشعري والأدبي، وفي كل صفحة فكر لا تهتم إلا بطرح الشأن السياسي والديني. الدليلان اللذان نعتمد عليهما في إرشادنا إلى الطريق، يبرهنان أنهما لا يعرفان إلا قراءة القليل من علامات السير الإرشادية.

أعاننا الله في مسيرتنا.

كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن

11