الأشقيلية أقلية ذات أصول عربية يحاصرها الصرب في البلقان

الثلاثاء 2015/04/28
مظاهرة لمجموعة من الأشقيليين للمطالبة بتفعيل حقوق الأقليات

بلغراد- الإشكال بدأ مع رفض طلب أحد المواطنين الصرب من الأقلية الأشقيلية، الحصول على وثيقة إدارية من مركز أمني بصربيا مكتوبة بلغته الأصلية، أي “الأشقيلية”، رغم أن الدستور الصربي يعترف بكون هذه الأقلية هي مكون وطني صربي له كامل الحقوق والواجبات. حدث ربما أصبح عاديا لدى الأشقيليين الصرب بحكم تواتره بشكل يومي، لكنه يخفي حقائق أخرى عن وضعية “عرب البلقان” السيئة.

“إن الأقلية الأشقيلية عانت ليس من التهميش والإهمال فحسب، بل ذاقت ويلات التنكيل والاضطهاد على أيدي العناصر الأمنية المتطرفة خاصة أثناء الحرب التي اندلعت في يوغسلافيا سابقا”.

بهذه الكلمات، بدأ تصريح المتحدث باسم رابطة الأشقيليين في صربيا عابدين بن مراد، وبدا معه حنقه في الحديث عن الواقع “المرير” الذي تعيشه أقلية الأشقيليين في صربيا. إذ يؤكد أن الميز العرقي والديني ضدهم لا يزال راسخا في الثقافة الإدارية الصربية، التي تتغذى بدورها من “سياسة تستهدفهم” فقط لأنهم من أصول عربية، ومسلمون.

وبالعودة إلى ماهية الأشقيليين، فإنهم قبائل عربية قادمة من ثغور الشام المطلة على تركيا وبعض الفروع القادمة من شبه الجزيرة العربية. انتقلوا للعيش في البلقان في أواسط القرن السابع ميلادي، وقد كان السبب المباشر لهذه الهجرة هو اضطهاد بعض عصابات الفرس لهم في المناطق المحاذية لنفوذهم.

ويؤكد المتحدث باسم رابطة الأشقيليين، أنهم ينتشرون على كامل شبه جزيرة البلقان، أي في يوغسلافيا والبوسنة والهرسك وبلغاريا وسلوفينيا والجبل الأسود ودول أخرى، لذلك عرف عن هذه الأقلية اسم “عرب البلقان”.

الأشقيليون في صربيا يحملون ثقل مقاومة طمس معالم الهوية وخصوصيتهم الثقافية إذ يسعى الصرب إلى إلحاقهم بالغجر

وأشار عابدين بن مراد إلى أن الأقلية الأشقيلية تحمل الآن بين أجيالها همّ “مقاومة طمس معالم الهوية وخصوصية الثقافة الأشقيلية”. إذ يؤكد بن مراد أن السلطات الصربية تسعى إلى إلحاق الأشقيليين بالغجر “حتى تتخلص من مسؤوليتها تجاه المواطنين الصرب من الأقلية الأشقيلية”، الأمر الذي دفع المتحدث إلى مطالبة الدول العربية والمنظمات المنبثقة عن جامعة الدول العربية والمنظمات الإسلامية بأن يساعدوا هذه الأقلية على تحصين خصوصياتها “دون المساس بانتمائها الوطني الصربي”.

ومن بين الخصائص التي تتميز بها أقلية “عرب البلقان” هي أن لها لغة خاصة، نغمتها تتطابق تماما مع النغمة العربية عند النطق، فضلا عن احتوائها على كم كبير من الكلمات والمفردات العربية. ويتميز الأشقيليون في شكلهم ولون بشرتهم بشبههم بالعرب، الأمر الذي يعتبره أتباع هذه الأقلية إثباتا على حقيقة انتمائهم إلى القومية العربية.

وتقول بحوث إنثروبولوجية أنجزت في شبه جزيرة البلقان حول الأقليات، أن الأشقيليين يحتفظون بأعراف خاصة مشابهة لتلك العربية، كما أنها تطلق أسماء عربية خالصة على أبنائها وليس كتلك القريبة من الروسية أو السلافية التي تطلقها أقليات مسلمة أخرى.

وفي سياق حديثه عن وضعية الأشقيليين بشكل عام في البلقان، قال عابدين بن مراد أن وضع أقليته في دول بلقانية أخرى مثل يوغسلافيا “أفضل بكثير من ذلك الذي نعيشه في صربيا”.

وقد رصد مراقبون تحركات سياسية حثيثة لممثلين للأقلية على مستويات عدة خاصة في التمثيلية البرلمانية للضغط على الأطراف وسن قوانين للحماية والاعتراف الفعلي بهم.

ويؤكد العديد من الأطراف السياسية والأقليات في صربيا، أن مسألة الأشقيليين ليست سوى أداة للدعاية في يد الصرب الحاكمين، وذلك في سبيل الإيهام بوجود خارطة ديمغرافية أخرى غير تلك التي يتبناها الألبانيون.

المعروف عن الأشقيليين أنهم لا يفوتون أي عيد رسمي للدولة الصربية أو مناسبة دينية مسلمة إلا وحاولوا التعريف بأقليتهم

فمن ناحية تريد صربيا إظهار أنها تحوي الكثير من الأقليات في سبيل إضعاف وجود الألبان في صربيا (وهو صراع طويل بين الألبان والصرب “انتهى” مع حرب يوغسلافيا في أواخر التسعينات من القرن الماضي). وقد أكد الناطق عابدين بن مراد أن الصرب يقومون بذلك من أجل اقتلاع أكثر حقوق من الأكثرية الألبانية على حساب أقليات أخرى.

ومن المعروف عن الأشقيليين أنهم لا يفوتون أي عيد رسمي للدولة الصربية أو مناسبة دينية مسلمة إلا وحاولوا التعريف بأقليتهم وتقديمها للمجتمع الصربي للانفتاح عليها ومد جسور التواصل معها. وذلك إيمانا منهم أن الإسلام (الدين الذي يعتنقه الأشقيليون) هو محمل واسع وثري بقيم التسامح والدعوة إلى العيش المشترك وتقاسم الهموم الوطنية.

وتعد هذه الأقلية بأكثر من 60 ألف أشقيلي يعيشون داخل صربيا فقط، وتتوزع مجموعات أخرى تتراوح بين 25 ألفا و60 ألفا بين يوغسلافيا والجبل الأسود وبلغاريا والبوسنة والهرسك.

ويؤكد تاريخ المنطقة أن “عرب البلقان” لم يكونوا في يوم من دعاة فتنة أو حرب أو نزاع أو مطالبة بالانفصال، وإنما يعرف عنهم طيبتهم وانفتاحهم على كافة مكونات شعوبهم التي يتعايشون معها.

وذكر أن صربيا من بين الدول التي تحوي عددا هاما من المسلمين، إذ يعتبر المكون الديني الثاني في البلاد بعد المسيحية (أرثودوكس وكاثوليك وبروتستان). ويمثل عدد الأشقيليين بين المسلمين نسبة هامة ساهمت في حفظ التراث الإسلامي والعادات والتقاليد واللغة العربية في شبه جزيرة البلقان.

13