الأشكال المنمنمة تهطل زخات فوق لوحات شوقي شمعون

فنان لبناني يُدمج التجريد بالتشخيص في شريط بصري متحرّك.
الجمعة 2021/05/28
شريط بصري متحرّك يجمع التجريد بالتشخيص

في عودة تدريجية للعروض الفنية في بيروت تستضيف صالة “مارك هاشم” معرضا جديدا للفنان التشكيلي اللبناني شوقي شمعون تحت عنوان “سماوات مزهرة”، يستعرض فيه فصلا جديدا من سيرته الشخصية ومن سيرة وطن يشبه أحلامه.

لم تتوقف صالة "مارك هاشم" عن العرض الفني، لاسيما في صالتها الباريسية ومن خلال العرض الافتراضي الذي كرّس نفسه حتى بعد بدء عودة النشاط الفني في بيروت كما في العالم.

واليوم تعرض الصالة البيروتية فصلا جديدا من مسيرة الفنان التشكيلي اللبناني المتعدد الوسائط شوقي شمعون تحت عنوان “سماوات مُزهرة” مع مراعاة لشروط التباعد الاجتماعي.

ويجيء المعرض، كما ذكر القيمون على الصالة “كدخول إلى عالم يمنح مشاهديه فرصة جديدة للتنفّس بحرية والتنفيس عن المشاعر، بعد نكبات متوالية ألمت بلبنان، من انتفاضة أكتوبر إلى انفجار ميناء بيروت وتفشي الوباء. ويقدّم الفنان لزائري المعرض من خلال أعماله الجديدة فرصة للابتعاد عن الكارثة والهروب من العنف الذي تتالت ضربتاه ولم تتوقّف إلى اليوم”.

شخوص متجدّدة

شخوص شمعون دائما ما تكون بين اليأس والأمل، والقوة والضعف، والخوف من الآتي والثقة بما سيكون أقل قسوة
شخوص شمعون دائما ما تكون بين اليأس والأمل، والقوة والضعف، والخوف من الآتي والثقة بما سيكون أقل قسوة

المُتابع لأعمال الفنان شوقي شمعون يُدرك أن سلسلة المعارض التي قدّمها في التسعينات من القرن الماضي، بعد انقطاع عن الرسم والعرض دام أكثر من عشر سنوات هي أشبه بشريط بصري متحرّك يدور على نبض التحوّلات الشخصية، ومن ضمنها مراحل شفاء الجراح الشخصية، ومرور الزمن.

ولا يبارح الفنان خطوط سرده العريضة في كل معارضه المبنية على دمج التجريد مع التشخيص وأحيانا حتى حد الذوبان ما بين الاثنين. ففي بعض معارضه بدت شخوصه التي تستوطن غالبا أسفل اللوحة، على أنها من المشهد الطبيعي العام وذلك بغض النظر إن كان المشهد ثلجيا أو صحراويا، أو هو أول سماء نهارية أو ليلية مُرصعة بنجومه الخاصة التي تبدّلت هيأتها مع تتالي المعارض، من نقاط إلى ومضات، إلى مشحات ضوئية تشبه تلك التي تُرى في القطب الشمالي، إلى ألعاب نارية خجولة وإلى أشكال هندسية منمنمة كما أتت في معرضه الحالي في شكل مثلثات ودوائر ومربعات ملوّنة.

كما يتميّز الفنان اللبناني بقدرته على إعادة تركيب وتشكيل نفس المفردات البصرية، ولكن بشكل مُختلف جاعلا منها قوة تعبيرية عن أفكار مختلفة خفوتا أو توقدا من عزلة وتكاتف وترحال ومراوحة.

وقد تكون فكرة الانتظار، هي الأكثر حضورا في معارضه وصولا إلى معرضه الجديد هذا. شخوص الفنان هي دائما في حالة ترقب وانتظار بالمعنى المطلق للكلمة.. ويجيء هذا الترقّب متعدّدا في أنواعه.

فهو أحيانا انتظار ليتغيّر المشهد العام الذي ينظرون إليه، أو هو انتظار للحظة التي يستطيعون فيها أن يتقدّموا ويخترقوا المشهد إلى ما هو خلفه، أو هو انتظار لانهيار المشهد تماما كما عند وقوفهم أمام ما يُحاكي جدران إسمنتية، أو هو تأمّل في روعة ما يتشكّل أو يتجلّى أمامهم ليُمدّهم بشحنة من الأمل تمكّنهم من الصمود أكثر.

كما تتميّز لوحاته المبنية في معظمها على مشهد عام وأمامه شخوصه يديرون بظهورهم كأنها تعجّ بالحركة حينا وبالهدوء المطلق حينا آخر وفي كلا الحالتين هم، أي الشخوص في مرحلة الما بين. ما بين اليأس والأمل، والفرح والحزن، والقوة والضعف، والخوف من الآتي والثقة بما سيكون بديعا، أو على الأقل، الأقل قسوة.

توثيق بصري

Thumbnail

في معرضه “سماوات مزهرة” يُقزّم الفنان شخوصه حتى تُشارف على التلاشي وبالكاد تظهر على أنها غير تلال وربوات باتت جزءا مُتّحدا مع المشهد العام.

مشهد صار في لوحاته الجديدة أكثر خفة وفراغا عمّا قبل أن “تهطل” فيه الأشكال المنمنمة التي ذكرناها آنفا، كأنها زخات من مطر خفيف نستطيع أن نشعر باتجاهات تحركاته تحت تأثير لفحة ريح أو نسمة هنا أو هناك في اللوحة الواحدة.

في لوحاته، إضافة إلى ما هو شخصي جدا ويعكس تجارب الفنان الخاصة يعثر المُشاهد في مُجمل معارضه وصولا إلى هذا الأخير على نوع من توثيق لتاريخ لبناني بدءا بالحرب اللبنانية وصولا إلى الحاضر اللبناني الشائك، حيث يوجد وكما ذكر القيمون على المعرض “فرصة للابتعاد عن الكارثة والهروب من العنف الذي تتالت ضربتاه ولم تتوقف إلى اليوم”.

ويعتبر شوقي شمعون الذي ولد في منطقة البقاع اللبنانية عام 1942 من الطليعيين في الفن التشكيلي اللبناني المعاصر واستخدم في أعماله الفنية مواد ووسائط مُتعددة.

حصل على إجازة في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية، وتابع دروسه في الولايات المتحدة ونال دبلوما في الفنون الجميلة في جامعة سيراكوز، ودكتوراه في الفنون في جامعة نيويورك. علّم الرسم في جامعات سيراكوز ونيويورك وفي الجامعات اللبنانية.

شمعون يؤرخ لشخصيات لوحاته بصريا ويوثق انتظاراتها
شمعون يؤرخ لشخصيات لوحاته بصريا ويوثق انتظاراتها

كما شارك في معارض جماعية في بيروت منذ العام 1968، لاسيما في متحف سرسق. وابتداء من 1975 أقام معارض فردية في لبنان والعالم العربي والشرق الأقصى وأوروبا. ومن عناوين معارضه الأكثر أهمية نذكر “آفاق” و”خارج الجدران” و”السلام منتظرا”.

وفي العام 2007 بيعت إحدى لوحاته في مزاد كريستيز في دبي برقم قياسي وضعه ضمن قائمة الفنانين الـ25 الذين بيعت لوحاتهم في مزادات علنية، وهو مصنّف ضمن الشخصيات العربية الـ500 الأكثر تأثيرا في عالم الفنون.

ويبقى السير في الضوء أو الركون إليه هو أجمل ما قدّم لنا الفنان، وتكاد كلماته التي أرفقها بمعرضه الذي حمل عنوان “السلام منتظرا” تشمل معارضه كلها وصولا إلى معرضه الجديد.

كتب الفنان يومها “ذلك السلام العابر أخترعه حيث لا أجده/ أرسمه كلما ظننتُ أنني أراه/ ثم أنتظر/ ومعي ينتظر الآخرون”.

وعن مسيرته الفنية نشرت دار الساقي اللبنانية في لندن عام 2013 كتابا حمل عنوان “فن وحياة شوقي شمعون”.

Thumbnail
17