الأصابع الخضراء

الجمعة 2017/12/01

لا يفتقر تصميم جميع البيوت والشقق في المملكة المتحدة إلى الحدائق والمساحات الخضراء، التي قد تكون بالنسبة للبعض أهم من المساكن في حد ذاتها، وقد نجدها في الغالب محاذية للبيوت وخلفها، حتى وإن كانت المساحة المبنية صغيرة جدا، ويمكن أن نشاهد عمارات شاهقة وقد تحولت نوافذها وشرفاتها إلى مزارع تملأها الزهور والنباتات، كما لا تخلو جميع الأحياء السكنية من الحدائق العمومية.

المساحات الخضراء تكتسي أهمية بالغة بالنسبة للبريطانيين، إلى درجة أن الكثيرين يتباهون بامتلاكهم لأصابع خضراء، كما تحيل على ذلك الترجمة الحرفية لتعبير “I have green fingers”، الذي يرددونه ليفتخروا بولعهم الشديد بحدائقهم وصداقتهم المتينة مع المناطق الخضراء.

وقد شهدت في لندن حتى العجائز والشيوخ رغم تقدمهم في العمر وقلة جهدهم، لا يكفون عن ممارسة هواية البستنة في أفنية منازلهم والمساحات المحيطة بها، وفي والحاويات والأصص.

علاقة البريطانيين بالحدائق مقدسة، ومسار حياتهم يدور حولها، ويتبلور ذلك جليا في الوصف الرائع للشاعر الإنكليزي الشهير للطبيعة في إحدى قصائده التي عكف على كتابتها منذ عام 1798 حتى 1850.

وفي قصيدته الطويلة التي تسمى “المقدمة” قال ويردزويرث “شغفت بحب الطبيعة، وفي صخب المدينة الشاسعة، التي تموج بالناس والأشياء، وأدركت كم أنا مدين لك أيتها الطبيعة وللمناطق التي يسودها السكون الريفي”.

ومعه حق، فالطبيعة أكسجين الحياة الذي يمدنا بالهواء ويجعل قلوبنا تنبض بالحياة ويحفز عقولنا على التفكير، ويبعث في حواسنا وأحاسيسنا الشعور بالبهجة والاسترخاء.

وتوجد العديد من الأدلة التي تؤكد أن العلاقة الوثيقة بين الإنسان والمناطق الخضراء تعود عليه بأكثر من فائدة، وقد عززت مجموعة من الدراسات البراهين العلمية التي تظهر فوائد الاحتكاك بالطبيعة في التخفيف، وبشكل كبير، من الأعراض التي يعانيها الأطفال المصابون بما يُعرف بـ” قصور الانتباه”، إذ يوفر لهم هذا التفاعل تأثيرا مهدئا، ويساعدهم على التركيز.

أما بالنسبة للبالغين المصابين بأمراض نفسية مثل الاكتئاب والقلق، فقد يفيدهم التفاعل المباشر مع الطبيعة -إلى جانب تناول الأدوية- في كبح جماح الأعراض التي تنتابهم جراء تلك الاضطرابات، بل وربما التعافي منها.

وهناك ما هو أكثر من ذلك، فقد تبين أن شعور المرء بأنه جزء من الطبيعة يرتبط طرديا مع إحساسه بالحيوية والسعادة، وبأن له قيمة في الحياة.

وتوجد العديد من الخطط التي تسعى بعض المستشفيات في الدول الأوروبية لتطبيقها بهدف تطوير ما يسمى بـ”وصفات العلاج الخضراء” أو التعرض للطبيعة، والتي يمكن أن تكون لها فائدة كبيرة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من بعض الأمراض النفسية.

وأُومن شخصياً أن نسبة الاكتئاب التي تتصدر بها الدول العربية القائمة بين دول العالم، جزء كبير منها ناتج عن فتور العلاقة بين الناس وعالمهم الطبيعي، والنسبة مرشحة للارتفاع بسبب النمو السكاني والزحف العمراني اللذين قد قلصا من حجم المساحات الخضراء في أغلب المدن العربية، وأخرجا الحدائق

من دائرة اهتمامات أغلب الأسر والحكومات.

التحدي الحقيقي في هذا الشأن يتمثل في كيفية حمل الناس على إعادة توثيق صلتهم بالطبيعة، وذلك لن يكون إلا إذا انعكس الحب للطبيعة على المناهج التعليمية، وعلى الأسلوب الذي يعالج به الأطباء المرضى، وعلى الطريقة التي يشيّد بها الناس المنازل، وكذلك على الكيفية التي نتعامل بها مع المساحات الخضراء الموجودة في بلداننا، وعلى استراتيجيات الحكومات التي يجب أن تعزز هذه المناطق وتحميها.

ربما حان الوقت لنعيد قراءة روعة قصائد الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، فإن كلماته لا تزال باقية لتذكرنا بأن الطبيعة أغنية من أغاني الحياة التي تبعث فينا البهجة وتحيي أنفسنا، وتزيح عنا الأحزان التي تجعلنا لا نرى جوهر الحياة وسحرها الخلاق.

في الغابِ سحر رائع متجدّد/ باقٍ على الأيام والأعوامِ/ وشذى كأجنحة الملائكِ غامضٌ/ ساهٍ يرفرفُ في سكون سام/ وجداول تشدو بمعسول الغنا/ وتسير حالمة بغيرِ نظامِ…

صحافية تونسية مقيمة في لندن

21