الأصالة كلمة رديئة في معرض لندن الدولي للكتاب

السبت 2015/04/18
تساؤلات بشأن التنوع العرقي والثقافي

ما هي الأصالة؟ الأصالة كما نعرفها كلمة إيجابية تعني جدة الابتكار، بينما يراها الغالبية العظمى من الناشرين البريطانيين تكرارا لنماذج مقولبة لما هو معروف ومتاح بالفعل. حين يرفض الناشرون إصدار رواية لأن البطل الأسود لا يستسيغ “طعام السود” أو لأن البطل هندي الملامح إنكليزي المولد والمنشأ لم يزر الهند قط بدعوى أنها ليست “أصيلة”، يستحيل مفهوم الأصالة ذاته فاسدا أخرق التوجه. وقد طرح معرض لندن للكتاب هذه السنة تساؤلات محورية حول التنوع العرقي في عالم الأدب والنشر في بريطانيا، ما يدعو إلى استجلاء هذا العالم وإعادة التفكير فيه.

ليس من المنطقي في قاموس الناشرين البريطانيين أن تستمع عائلات السود إلى الموسيقى الكلاسيكية أو أن يلعب الصبية الآسيويون كرة القدم بدلا من الكريكت. والهول كل الهول إن كانت الهندية لا ترتدي الساري، فهويتها العرقية، مع افتراض اعتزازها بها بالفعل، تنتزع منها في لحظات معدودات.

وبدلا من الفردية الخلاقة، وهي المطلب الأهم لأي عمل أدبي، يسود الحجر وتطغى ثقافة القطيع. فالوكلاء ينصحون الكتاب بأن يصوغوا كتبهم بطرق تجعلها أكثر قابلية للتسويق. فليس هناك أشد جاذبية من عنوان “رواية تحسر النقاب عن حقيقة المجتمع الباكستاني وتشي بمآسيه”.

أمانة ديمغرافية

خلال الندوة الأهم في معرض لندن للكتاب الذي أقيم برعاية وكالة تنمية الكتّاب “انشروا الكلمة” وتحت عنوان “كتابة المستقبل: الكتاب الآسيويون والسود والناشرون في السوق البريطاني”، تحدثت دانوتا كين الخبيرة في صناعة النشر عن ضرورة كتابة المستقبل، أو بالأحرى إعادة كتابته، بحيث تشمل صناعة النشر “الألوان والأعراق جميعها”. ففي سوق يهيمن عليه “الأدب التجاري”، يبدو وكأن خير فرصة للكتاب الآسيويين والسود والعرب في النشر هو الانقياد إلى الصور النمطية عن مجتمعاتهم.

صناعة النشر نجحت في تجاوزها لتفاوت الجندرية، رغم من تراجعها على عدة مستويات في التنوع العرقي

تجادل كين أن حتمية هذا التغيير لا تنطلق بالضرورة من منظور “الكياسة السياسية”، فهم لا يسدون أية خدمة لأي شخص، وإنما من منظور يعكس بأمانة الخريطة الديمغرافية لبريطانيا العظمى في العصر الحالي.

والفارق العظيم بين بريطانيا ودولة مثل أيسلندا أن بريطانيا لم تعد في الحقيقة دولة مهجر بالمعنى المتعارف عليه، فهي تأوي الآن جيلا ثالثا ورابعا وخامسا، ينحدرون كلهم من جدود فارقوا الحياة منذ عقود، جدود قدموا من الدول العربية وجنوب شرق آسيا وترينيداد وجاميكا، وغيرها.

الأبيض والبني في كتب الأطفال

لقد نظرت هذه الندوة، والتي تألفت من مديرة للندوة، وثلاث باحثات، وأربع متحدثات ومتحدث وحيد أثنى على التركيبة الجندرية للندوة والمعرض بشكل عام، مذكرا إيانا أننا لا يجب أن نغفل التطور على المستوى الجندري أيضا، ومؤكدا، مثله مثل الأخريات، على أن صناعة النشر نجحت في تجاوزها لتفاوت الجندرية بالرغم من تراجعها على عدة مستويات في التنوع العرقي.

والسر في ما ألمّ بالحضور من تعجب هو أن التسعينات شهدت رواجا عرقيا ملموسا في صناعة النشر بما ينم عن التركيبة السكانية لبريطانيا. عدّدوا عشرات الشعراء والأدباء الآسيويين والسود والعرب ممن شقوا طريقهم إلى المطابع، منهم اسمان فقط على أقصى تقدير لا يزالان الآن على الساحة الأدبية.

المحررة روكسانا ياسمين: الأطفال لا يتماهون مطلقا مع الكتب

ذهبت المشاركات ليرسمن صورة لقارئة بريطانية عادية بعد ثلاثين عاما من اليوم، ووجدن أنها ستكون على الأرجح امرأة متعلمة مختلطة الأعراق. وفي المقابل راح الجميع دون استثناء يشجب صناعة النشر في هذه البلاد التي لا يبدر منها إلا التأييد الشفوي للتنوع الثقافي، في مكاتبها، وعلى المستوى التحريري. من الواضح أن قدرا من التشاؤم يسري بين الكتاب الآسيويين والسود، فهم يتوقعون تكلس الصناعة تكلسا لن يسمح في القريب العاجل بتفاعل ذي قيمة مع الجيل القادم من القراء. هذه هي الحقيقة المزعجة التي توصلت إليها كين عقب عام من إجراء الحوارات الصحافية مع الناشرين والوكلاء والروائيين، وتحليل المعطيات المستقاة من برامج الكتابة الإبداعية والمهرجانات الأدبية.

كيف يتم هذا التفاعل والأمهات في الندوة اشتكين من أن أطفالهن لا يتماهون بأية صورة من الصور مع كتب الأطفال؛ حكت روكسانا ياسمين الفائزة بجائزة كيم سكوت والوين المقدّمة إلى النساء في عالم النشر والمحررة في دار نشر ويستبورن، وهي ذات أصول كشميرية بعيدة، أنها اشترت لابنها كتابا، وشاهدته ذات مساء يلوّن وجوه الأطفال البيض باللون البني.

منذ نحو عشر سنوات صدر تقرير مفصّل عن تمثيل غير البيض في صناعة النشر، كاشفا عن أدلة على محاباة منهجية ومؤسساتية لصالح البيض، وعلامات على استبعاد من عداهم. كما فكك مناهج صناعة تتأصل فيها قنوات توظيف تقوّض مفهوم التنوع من جذوره.

ونتيجة لهذا التقرير، نشط مجلس إنكلترا للفنون ليدعم جوائز موجّهة إلى الآسيويين والسود والعرب، وأطلق برامج تدريبية مدفوعة الأجر لخريجين من أعراق مختلفة في دور نشر مرموقة مثل فابر وراندوم هاوس وبينجوين. ولم يتساءل الحضور عن سبب عدم مبادرة دور النشر باتخاذ هذه الخطوات من تلقاء نفسها.

العودة إلى الخنادق

وعندما طلبت وكالة “انشروا الكلمة” من كين إعادة سبر المشهد منذ شهور، صرحت بأخبار سيئة على عكس المتوقع. انتهت إلى أن السنوات العشر الأخيرة، والمتقلبة اجتماعيا وثقافيا، فشلت في إنجاز أي تطور على مستوى التنوع، بل إنها تراجعت خطوات عديدة. فمع هامش ربح ينهار حاليا بسبب البيع الإلكتروني والخصومات الهائلة، والتي تتطلب دعما تسويقيا مكلفا، ومع النماذج الجديدة من الكتب التي صعّبت صناعة النشر ذاتها، بدءا من حقوق الترجمة ووصولا إلى التوزيع، عاد الناشرون “للتخفي في خنادقهم” على حد قولها، وباتوا أكثر تقليدية عند اتخاذ قرارات العمالة والتحرير.

والدليل الأكبر على هذا الانسحاب أو “الاستغلال” هو تشغيلهم للخريجين لمدد مؤقتة بدون أجر بدعوى تدريبهم. وهي ممارسة تميز ولا شك بين من يملك -وسيدخل عالم النشر عقب التدريب- ومن لا يملك في صناعة المفترض أن العامل الفاصل فيها هو الموهبة والاجتهاد.

تساءلت القاصة والروائية الجمايكية ليوني روس صاحبة رواية “كل الدماء حمراء” بنبرة واقعية، “من بمقدوره أن يؤجر خرم إبرة في لندن وهو يعمل في دار نشر بدون تقاضي أيّ مليم إلا الأغنياء؟”

محاباة منهجية ومؤسساتية لصالح البيض، وعلامات على استبعاد من عداهم في عالم النشر يقوِّض التنوع من جذوره

استشراقي بحت

وعلى الرغم من نجاح “نجوم” معينين من أمثال كاميلا شامسي، ذكرت فاليري برانديز مؤسسة وناشرة دار نشر جاكاراندا بوكس آرت ميوزك أنهم في الأغلب ينجحون معنويا في قطاعات لا تجني عشر ما تجنيه قطاعات أخرى، قطاعات تأكل الكعكة المالية وتنال نصيبا أكبر من الطبعات المتتابعة. ويفلحون لسبب استشراقي بحت، فالناشرون ينظرون إليهم نظرتهم إلى ممثلين “أصلاء” عن ثقافتهم.

وهنا بدأ الجميع يكيل التقريع لمفهوم الناشرين للأصالة. فالناشرون ينتظرون من كل بني اللون أن يتناول خلفيته العرقية “حتى لو كان مولودا في مقاطعة يوركشير وعاش بها طيلة عمره”. يتوقعون أن يطالعوا حديثا مباشرا عن العنصرية والفساد والصراع العرقي ورسما إكزوتيكيا مسليا لهذه المجتمعات، رسما يبرهن بمعنى ما على التفوق العرقي للقارئ الأبيض.

والخلطة السابقة لا ينبغي أن تخلو بالطبع من نقد لمجتمعات العالم الثالث. لكي تفتح بابا في عالم النشر إذن، عليك أن تطرح رؤية عرقية قاصرة وإلا سيعيبون على النص افتقاره “للأصالة” إن لم تتناغم الشخصيات مع افتراضاتهم.

فنص في جنوب أفريقيا ينبغي أن يحوي ثعابين تزحف في البيوت. ونص في الهند ينبغي له من مشهد لبقرة تعوق المرور، والإثارة كل الإثارة إن كان أحد الحبيبين في علاقة غرامية أبيض اللون.

كلها توليفة جاهزة مسبقا يعتقد الناشرون أنها رغبة القارئ الوحيدة، وعينهم بالتأكيد على القارئ الأبيض. وفي النهاية تنصب الحملات التسويقية على هذا “الهندي الساحر” أو هذا “العراقي المغترب”، لا على جماليات العمل أو فلسفته.

المفاجأة فجّرها المشاركون بالنفي ردا على هذا المنهج. لا، معظم القراء على اختلاف أعراقهم وتوجهاتهم على استعداد كامل لقراءة الأدب الجيد أيا كان صاحبه، لا تلصصا على مجتمع محدد، وإنما لأنه ببساطة خلاق. وإلا ما كنا ترجمنا حرفا منذ قرون.

نسبة عدد غير البيض في لندن نحو أربعين في المئة، وتمثل عددا ضخما من القراء؛ تجاهله جريمة ثقافية وخسارة هائلة لصناعة النشر

لم يعودوا أقليات

أضافت كين أن المبيعات الدولية ليست منفصلة عن السوق العالمي فقط، وإنما عن المجتمع البريطاني ذاته. الواقع أن إسباغ لفظ الأقليات على المواطنين ذوي الأصول الآسيوية في عام 2015 مثير للضحك. الدنماركيون في هذا البلد أقلية، السويديون أقلية، سكان نيوزيلاندا أقلية، هكذا تكون الأقلية. لا تكذّب كين خبرا فلتلقي إلينا بالإحصاءات. ويقدّر خبراء السكان أن واحدا من بين خمسة بريطانيين سيكون غير أبيض بحلول عام 2051. وفي لندن وحدها تبلغ نسبة عدد غير البيض نحو أربعين في المئة بالفعل، وتمثل عددا ضخما من القراء؛ تجاهله جريمة ثقافية وخسارة مالية هائلة لصناعة النشر. كما أن هؤلاء القادمين من أعراق مختلفة من بين أكثر الجماعات نموا في المجتمع البريطاني، في مقابل تراجع مطرد لعدد المواليد البيض منذ عام 2001.

الهند ملاذنا

وهكذا نشأت موضة جديدة في عالم النشر بعد أن ولّى الكتاب وجوههم إلى أميركا، بل والهند، بهدف نشر كتبهم. المثير للشفقة أن الهنود وفقا لرواية المتحدثات لم يحجروا عرقيا وثقافيا على نص اعترض عليه الناشرون البريطانيون باعتباره ليس ممثلا عن الثقافة الهندية.

ربما ينبع السبب أيضا في وجود عدد قليل من الآسيويين والسود في دور النشر. والعاملون منهم لا يحتلون دوائر اتخاذ القرار، على النقيض من القطاعين التكنولوجي والتكنوقراطي اللذين دشنا انطلاقة قوية لهم منذ مستهل القرن الواحد والعشرين.

والسؤال الواقعي هنا، هل هذا القصور خطر لدواع اجتماعية وثقافية لا غير؟ أم إنه يهدد الصناعة ذاتها بالتقوّض؟ الإجابة على لسان ميل لارسون مستشارة التسويق ذات الأصول الأفريقية: المصير هو التقهقر لا محالة.

ففي صناعة لا تكف عن التوسع عالميا، يضع غياب موظفين هنود أو صينيين، ولا سيما في قسم المبيعات الدولية، الصناعة البريطانية في موقف الضعيف أمام الغول الأميركي على سبيل المثال، لا الحصر. كما أنه يضفي لونا أحاديا ضيق المنظور، عنصريا ولا شك، على المجال بأسره.

مما يعني أن تركيز الناشرين على “الناس من أمثالنا” -بيض، في منتصف العمر، من الطبقة المتوسطة- لن ينسجم مع طبيعة هذه الجزيرة الصغيرة في المستقبل. وعندها ستصير صناعة الكتب جثة متكلسة، وسترتد إلى حفرة النخبوية العرقية المميّزة للقرن العشرين.

17