الأصحاء معرضون أيضا لمخاطر الحر الشديد

الأخصائيون يوصون بتوفير ظروف مناسبة تساعد الشخص مهما كانت سنه وظروفه الصحية، على النشاط والحركة دون الشعور بالإعياء الحراري.
الاثنين 2018/07/16
باحثون يفضلون مساعدة الجسم على تبريد نفسه
 

أصبح الحر الشديد الناجم عن التغير المناخي في العالم يمثل تهديدا مباشرا لحياة الملايين من البشر، وقد فقد 70 كنديا من شرائح عمرية مختلفة حياتهم مع أول موجة حر هذا الصيف، وهناك أيضا الكثيرون غيرهم في دول أكثر تأثرا بالاحتباس الحراري قد لاقوا المصير نفسه، ما يطرح تحديا عالميا مضاعفا لا يرتبط فقط بحماية كوكب الأرض ولكن بدرجة أولى إنقاذ الإنسان.

بوسطن (الولايات المتحدة) - حصرت الكثير من الدراسات ضحايا الحرارة المرتفعة في صفوف كبار السن والحوامل والرضع لوقت طويل، لكن الضرر يطال أيضا الشباب والكهول، بدرجات متفاوتة، وهم ليسوا بمنأى عن الخطر.

فمثلما يتعلق الأمر بجاهزية الفرد وقدرته على تبريد جسمه في الوقت المناسب، يوصي الأخصائيون بتوفير ظروف مناسبة تساعد الشخص، مهما كانت سنه وظروفه الصحية، على النشاط والحركة دون الشعور بالإعياء الحراري.

قالت هيئة الإذاعة الكندية (سي.بي.سي)، إن العامل الحاسم في الوفيات الناجمة عن سخونة الجو هو عدم وجود تكييف هواء داخل الشقق. كما أكد باحثون من الولايات المتحدة أن درجات الحرارة المرتفعة في غرف النوم تصعب قدرتنا على التفكير.

وخلص أطباء كلية هارفارد للصحة العامة إلى هذه النتيجة بعد دراسة سرعة ردود فعل الطلاب صباحا أثناء إحدى موجات الحر في مدينة بوسطن.

قارن الأطباء المتخصصون في طب البيئة وعلى مدى 12 يوما القدرات الإدراكية لـ44 طالبا أثناء موجة الحر وبعدها. ونشر الباحثون نتائج الدراسة في العدد الأخير من مجلة “بلوس ميديسين” المتخصصة.

وكان 24 من هؤلاء الشباب الذين يتمتعون جميعا بصحة جيدة يعيشون في مسكن طلابي به مكيفات حيث كان متوسط درجة الحرارة يبلغ 21.4 درجة مئوية مع مدى إحصائي يبدأ من 17.5 وينتهي بـ25 درجة مئوية في حين كان الطلاب العشرون الآخرون يعيشون في مبنى بلا أجهزة تكييف يبلغ متوسط درجة الحرارة به 26.3 درجة مئوية بمدى إحصائي  19.6 إلى 30.4 درجة مئوية.

وإلى جانب درجات الحرارة، أخذ الباحثون في الاعتبار أيضا أثناء مدة الـ12 يوما التلوث الضوضائي والرطوبة في الغرف، إضافة إلى عادات نوم الطلاب ونماذج أنشطتهم وعاداتهم الغذائية وما يتناولونه من مشروبات، حيث كان على هؤلاء الطلاب أن يمارسوا عقب استيقاظهم مباشرة اختبارين قصيرين على هواتفهم الذكية، كان أحد هذين الاختبارين التعرف بسرعة وبشكل صحيح على لون الكلمات والآخر كان بحل مسائل حسابية بسيطة.

الأبنية في المناطق ذات المناخ الألطف حرارة مبنية بشكل يجعلها تحتفظ بالدفء، وتجد هذه الأبنية صعوبة في التخلص من الحرارة

تبين للباحثين أن وقت رد الفعل لدى الطلاب الذين يعيشون دون تكييف ارتفع بشكل واضح، أثناء موجة الحر التي استمرت خمسة أيام والتي أعقبت درجات حرارة صيفية عادية لمدة خمسة أيام أيضا حيث كانوا يحتاجون لإعطاء إجابات خلال اختبار الكلمات وقتا أطول بنحو 13 بالمئة، مقارنة بالوقت الذي يحتاجه أقرانهم الذين قضوا ليلتهم في جوّ ألطف. وبنسبة مشابهة أيضا انخفضت الدرجات التي أحرزها هؤلاء الطلاب لحل المسائل الحسابية.

وحيث إن الاختبارات كانت تتمّ صباحا فقط فإن معدّي الدراسة أكدوا أنهم غير قادرين على إعطاء بيانات بشأن القدرة على التفكير أثناء بقية النهار.

الجدير بالملاحظة أن درجات الحرارة استمرت في الارتفاع في المباني غير المكيفة، خلال الدراستين الأخيرتين وهو ما علق عليه جوزيف ألين، كبير باحثي الدراسة من معهد مركز المناخ والصحة والبيئة الكونية التابع لكلية هارفارد للصحة قائلا “إن الأبنية في مناطق العالم ذات المناخ الألطف حرارة مبنية بشكل يجعلها تحتفظ بالدفء، وتجد هذه الأبنية صعوبة في التخلص من قيظ أيام الصيف الحارة”.

وقال جوس جويليرمو سيدينو المشارك في الدراسة، إن أغلب الأبحاث بشأن آثار الحر على الصحة كانت تركز حتى الآن على مجموعات بعينها معرضة للخطر أثناء هذه الموجات مثل المسنين مما أدى إلى انطباع بأن بقية السكان لا يتضررون من هذه الموجات.

وأشار الباحثون إلى أنهم تعمدوا إلقاء الضوء على هذه النقطة الغامضة لأنهم يتوقعون أن يؤدي التغير المناخي إلى ارتفاع فترات موجات الحر أيضا في مدن واقعة في شمال أميركا مثل مدينة بوسطن.

ومعلقة على الدراسة قالت ألكسندرا شنايدر، الباحثة في علم الأوبئة بمعهد هيلمهولتس بمدينة ميونيخ الألمانية، إن نتائج الدراسة يمكن أن تنسحب أيضا على ألمانيا “وتصميمها جيد إجمالا ولكن النتائج ليست مفاجئة حقا”. وأكدت الباحثة الألمانية أنها لا تجد غرابة في أن قدرة الإنسان على التفكير تنخفض أثناء درجات الحرارة المرتفعة وخاصة عقب سوء النوم ليلا جراء موجات الحر.

كما أشارت شنايدر إلى أن تعرض الإنسان لأضرار صحية أخرى نتيجة لارتفاع درجات الحرارة يعود أيضا لعدم نوم الإنسان ليلا في جو غير لطيف. أما فيليب ليفيس وتوماس إيرين من جامعة كولونيا فقد أكدا في معرض تعليقهما على الدراسة ضرورة أن تحاول دراسات أخرى معرفة ما إذا كان تراجع القدرة على التركيز يزيد أيضا على سبيل المثال من خطر وقوع حوادث.

وقال الباحثان إن نتيجة الدراسة غير مفاجئة “فقلة النوم وفترات توقف الساعة الداخلية للإنسان وتزايد احتمال ألا يكون الإنسان قد شرب ما يكفي من الماء كلها عوامل تساهم في خفض القدرة الذهنية”.

وفي الوقت ذاته أشاد الباحثان بالدراسة التي تناولت لأول مرة تأثير الحر على الأصحاء والشباب وقالا إنها تبرهن على أن ارتفاع درجة حرارة الأرض سيتسبب في مشاكل صحية أشد أثرا عما كان يعتقد حتى الآن.

ومن أجل الحفاظ على القدرات الذهنية أثناء موجات الحر يوصي الباحثان الألمانيان بشرب الماء بشكل كاف والتخلي عن الوجبات الثقيلة ونقل فترات العمل إن أمكن إلى ساعات اليوم الألطف جوا.

وقال جوزيف ألين المشارك في إدارة مركز المناخ والصحة والبيئة العالمية في كلية تي.إتش تشان للصحة العامة، والذي شارك في إعداد الدراسة، إن الجانب الأكبر من التغطية الإعلامية تركز على الوفيات بينما “حقيقة الأمر أن الملايين يتأثرون بالموجات الحارة”.

قدرة الإنسان على التفكير تنخفض أثناء درجات الحرارة المرتفعة وخاصة عقب سوء النوم ليلا جراء موجات الحر

وأضاف “مع تغير المناخ وزيادة فترات الموجات الحارة، سنرى تأثيرا أكبر على الأداء والتعلم”.

وقال جيسونج باك الأستاذ المساعد لعلوم الصحة البيئية في كلية فيلدينج للصحة العامة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس إن أحدا لا يعلم تحديدا لماذا نبدو أقل ذكاء في الحر.

وأضاف باك، الذي لم يشارك في الدراسة، أن السبب قد يكون قيام الجسم بسحب الدم من مناطق معينة في المخ وهو يحاول التخفيض من درجة حرارته.

عند ارتفاع درجة حرارة الجو، يتفاعل جسم الإنسان مع ذلك بضخ كميات أكبر من الدم إلى سطح الجلد، وذلك حتى يتم طرد حرارة الجسم الداخلية إلى السطح، وهو ما يؤدي إلى حدوث التعرق.

ومع تبخر ذلك العرق، تبدأ حرارة الجسم بالانخفاض مرة أخرى. فإذا كانت درجة حرارة الجلد أعلى من درجة حرارة الجو حول الجسم، فإن بإمكانه أن يخرج بعض الحرارة إلى البيئة المحيطة به، وهو ما يعرف باسم “الفقدان الجاف للحرارة”.

ولن يحدث ذلك في الأجواء المناخية الحارة والجافة، حيث يصبح الجسم معتمدا بشكل كامل على إفرازه من العرق.

وتتراوح درجة حرارة الجسم العادية ما بين 37 إلى 38 درجة مئوية. أما إذا ما ارتفعت لتصل إلى 39 أو 40 درجة، فإن الدماغ يقوم بإرسال إشارات إلى العضلات حتى تبطئ من حركتها؛ وهو ما يجعل المرء يبدأ في الشعور بالإعياء.

وعند ارتفاع درجة حرارة الجسم لتتراوح ما بين 40 إلى 41 درجة مئوية، يكون من المحتمل أن يصاب الجسم بالإعياء الحراري، وإذا ما ارتفعت الحرارة عن 41 درجة، تبدأ وظائف الجسم في التوقف.

يبدأ ذلك الارتفاع في درجة الحرارة بالتأثير على العمليات الكيميائية داخل الجسم، وتبدأ الخلايا داخل الجسم في التدهور.

وتشير هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سي، إلى أنه في هذه المرحلة، لا يمكن للجسم حتى أن يفرز العرق، إذ يتوقف تدفق الدم إلى الجلد، وهو ما يجعل الإنسان يشعر بالبرودة والرطوبة.

كما يحتاج الشخص الذي أصيب بضربة الحر -والتي قد تحدث في درجات حرارة تزيد على 40 درجة مئوية- إلى مساعدة صحية عاجلة. وإذا لم تتم معالجته، فإن فرص نجاته قد تصبح ضعيفة.

وتتمثل أفضل طريقة لخفض حرارة الجسم في وضعه في ماء مثلج، أو وضع كمادات الثلج عند أصل الفخذ وتحت الإبط إذ تحتوي تلك المناطق على شرايين شديدة الأهمية.

يذكر أن فريقا آخر من الخبراء، كان قد اكتشف أن هناك علاقة بين عدد الأيام الحارة في السنة وخطورة تكوّن الحصى في الكلى، وفق دراسة نشرت في مجلة “أنفايرنمانتل هيلث بيرسباكتيف”. ووجد الباحثون علاقة بين عدد الأيام الحارة في السنة وبين خطورة تكوّن الحصى في الكلى.

17