الأصدقاء المخلصون حزام أمان دونهم نفقد السيطرة على مقدراتنا

الأربعاء 2015/01/28
ملاحظات الأصدقاء تلعب دورا حاسما في تغيير مسيرة حياة الشخص وأسلوب معيشته

لندن - كثيرا ما يقال بأن الأصدقاء يعرفون عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، والآن أثبتت الدراسات الحديثة أن هذه المقولة تقترب كثيرا من الصواب، فيمكن لهؤلاء مثلا تقصي أسباب الضعف والقوة في شخصياتنا، وربما التنبؤ بأسباب علتنا أو استحقاقنا للتمتع بصحة حتى سن الشيخوخة.

توصل باحثون أميركيون من خلال تحليل بيانات لدراسة تعقبت دورة حياة عينة مكونة من 300 فرد من المتزوجين ابتداءً من سن العشرين في شبابهم وحتى مماتهم إلى مدى صحة تنبؤات أصدقائهم بحياتهم المستقبلية، وفي مرحلة الشباب حيث بدأت رحلة البحث الطويلة هذه، كان على أفراد العينة بالاشتراك مع أقرب أصدقائهم الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة بشخصياتهم وأسلوب حياتهم، فيما تمت مقارنة إجاباتهم هذه التي أصبحت من الماضي، مع الأقدار التي واجهتهم في نهاية حياتهم وقياس مدى مطابقة التنبؤات القديمة بالنتائج الحالية.

وبينت نتائج قارنت بين انطباعات الأزواج عن أنفسهم مع انطباعات أصدقائهم المقربين، أن الأصدقاء كانوا أكثر دقة وميلا إلى الحقيقة في ما يتعلق بتنبؤاتهم عن شخصيات الأزواج، مقارنة بأصحاب الشأن أنفسهم.

ويرى باحثون أن أصدقاءنا ربما يلتقطون بعض المؤشرات المتعلقة بمواصفاتنا الشخصية ويتنبهون إلى تفاصيل دقيقة، ربما نكون غافلين عنها، وترى الباحثة جوشوا جاكسن بأن بعض الأشخاص يمتلكون مهارة تقييم شخصيات الآخرين بصورة دقيقة ومثيرة للدهشة، وصولاً إلى إمكانية التنبؤ بما سيحدث لأصحاب هذه الشخصيات لعقود مقبلة، كما يمكنهم ملاحظة التطورات الصحية لأصدقائهم بصورة خاصة والمؤشرات السلبية التي قد تودي بهم إلى الموت المبكر، على الرغم من تمتع هؤلاء بصحة جيدة قد تفرضها مرحلة الشباب.

وكانت الدراسة بدأت في العام 1930 من القرن الماضي، عندما كان أفراد العينة من المتزوجين في العقد الثاني من عمرهم، كما تضمنت عينة الأصدقاء صديقات مقربات من العروس مع رجال أعمال وأصحاب مهن مختلفة.

الشخص الذي يحيط نفسه بحلقة من الأصدقاء المخلصين الذين يمكن أن يثق في آرائهم، سيحافظ على صحته

وشبه الباحثون الأصدقاء الذين يدعمون صديقهم بنصائحهم وصراحتهم في ما يتعلق بأسلوب الحياة ومراقبة الحالة الصحية، بحزام الأمان الذي دونه نفقد سيطرتنا على قيادة السيارة، إذ أن الشخص الذي يحيط نفسه بحلقة من الأصدقاء المخلصين الذين يمكن أن يثق في آرائهم، سيحافظ على صحته بصورة أكبر من الأشخاص المنعزلين أو الذين يدخلون في علاقات صداقة فاشلة.

في الوقت ذاته، اعتمدت الصديقات اللاتي تنبأن بطول عمر صديقاتهن في تقديراتهن لذلك على بعض الصفات الشخصية، مثل الاستقرار النفسي والعاطفي والحنان. ويعتقد باحثون في جامعة واشنطن- سينت لويس، بأن هذا النوع من الصفات الشخصية يمكنه أن يقمع الغضب، إضافة إلى القلق والاكتئاب، وهي حالات تعد من العوامل المسببة لمشكلات صحية خطيرة كأمراض القلب والشرايين.

وكتبت الباحثة جاكسن في مجلة علم النفس، عن تصوراتها بشأن نتائج هذه الدراسة التي تعد الأطول زمنيا في مجال علم النفس الاجتماعي، مشيرة إلى أن الصفات الشخصية تعد عوامل أساسية تلعب دورا فاعلا في مسيرة حياتنا بصورة عامة وحياتنا الصحية بصورة خاصة، كما أن ملاحظات الأصدقاء والمقربين لا تقل أهمية عن ذلك ويمكنها أحيانا أن تلعب دورا حاسما في تغيير مسيرة حياتنا وأسلوب معيشتنا.

وأسهمت طبيعة الدراسة من حيث الفترة الزمنية الطويلة وعينة الأصدقاء كبيرة العدد في التوصل إلى هذه النتائج الدقيقة، حيث تم استدعاء إجابات أكثر من صديق في ما يتعلق بالشخص الواحد، الأمر الذي منح التوقعات صفة الجدية من خلال تكرار الإجابات ذاتها حول شخص معين، من قبل مجموعة من أصدقائه.

بعض الأشخاص لهم مهارة تقييم شخصيات الآخرين والتنبؤ بما سيحدث لأصحاب هذه الشخصيات لعقود مقبلة

من ناحية أخرى، قد يلعب سوء الطالع دورا مهما في تحويل دفة مقدراتنا إلى الاتجاه الخطأ الذي يودي بانتهاء دورة حياتنا بصورة مبكرة ومفاجئة أيضا، ويتسبب سوء الطالع هذا في إصابتنا ببعض الأمراض الخطيرة على الرغم من مداراتنا لصحتنا والتزامنا بالمعايير السليمة في أسلوب حياتنا عموما، حيث توصلت دراسة حديثة إلى أن الإصابة بمرض السرطان قد تكون نتيجة سوء الطالع، بصرف النظر عن اتباع الأفراد أسلوب حياة صحيا والتزامهم بمعايير غذائية سليمة، إضافة إلى خلو تاريخهم العائلي من حالات مشابهة.

ووجد متخصصون في كلية الطب – جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، أن كل اثنين من مجموع ثلاثة من ضحايا مرض السرطان يبتلون بهذا المرض نتيجة التراكم العشوائي لتركيب بعض جيناتهم. في حين ذهبت دراسات سابقة في هذا المجال إلى أن ما بين 30 و40 في المئة من حالات الإصابة بالسرطان كان بالإمكان تجنبها باتباع أسلوب حياة صحي وسليم، لكن باحثين حذروا من مغبة إلقاء اللوم على الجينات وحدها، الأمر الذي سيشجع بعض الناس على التخلي عن برامجهم الصحية.

وانتقدت الدكتورة سالي نورتون، وهي طبيبة استشارية في جراحة القناة الهضمية، نتائج هذه الدراسة، مشيرة إلى أنه على الرغم من اعتماد الدراسة على طريقة الانقسام العشوائي في بعض الجينات المسؤولة في الخلايا الجذعية لأنسجة الجسم المختلفة، التي أرجعت الإصابة بالمرض بنسبة 65 في المئة، لكنها لم تسلط الضوء الكافي على النسبة المتبقية من الإصابة وهي حوالي 35 في المئة، والتي تعود في معظمها إلى أساليب الحياة الخاطئة للمرضى.

ومعروف أن العديد من العوامل تلعب دورا مباشرا في الإصابة ببعض أنواع السرطانات، مثل سرطان الرئة الذي يتسبب فيه الإفراط في التدخين، كما أن الإدمان على المشروبات الحكولية من شأنه أن يزيد فرصة الإصابة بسرطان الكبد، وتضاعف الإصابة بمرض السمنة أيضا فرص الإصابة بأنواع أخرى من السرطان، في حين يمكن تجنب الإصابة ببعض أنواع السرطانات باعتماد أنظمة غذائية صحية.

21