الأصولية تطرق أبواب الكنيسة الإنجيلية في مصر

تسبب رفض الكنيسة الإنجيلية (البروتستانتية) في مصر، إقرار الزواج المدني، وعدم توسيع أسباب الطلاق بين المنتمين إليها، في اعتراضات متصاعدة، وانقسمت الآراﺀ بين مؤيديين يؤكدون أن رفض الكنيسة للمشروع يأتي نزولا عند رغبة الغالبية، ومعارضين يعتبرون الزواج المدني خلاصا لهم وحلا للكثير من تعقيدات الطلاق، متهمين الكنيسة بأنها تقف على أعتاب ما سموه “الأصولية المسيحية”، أو “السلفية المسيحية”.
السبت 2016/10/15
دعوات لتوسيع مجال الرؤى الإصلاحية في الكنيسة الإنجيلية

القاهرة – ساد جدل واسع بين الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية) حول إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية للأقباط، أملا في عرضه على البرلمان، في دور الانعقاد الجديد، وإقراره بشكل رسمي، على خطى قانون تنظيم بناء الكنائس، الذي أقره البرلمان مؤخرا.

واعترض قطاع هام من الأقباط الإنجيليين (البروتستانت) على بعض مواد مشروع القانون، ومن بينها رفض الزواج المدني، ورفض توسيع أسباب الطلاق، والإصرار على حصر الطلاق فقط في علتي الزنا وتغيير المِلّة، ومن المعروف أن الإنجيليين، في بعض دول الشرق الأوسط الأخرى، مثل لبنان، يٌسمح لهم بالزواج المدني وبالطلاق.

ويرى الكثير من الأقباط أن الرفض من جانب الإنجيليين يعد دليلا على فكر أصولي، يطرق أبواب الكنيسة الإنجيلية بمصر، وينقضّ على الرؤية الإصلاحية، ليعرقلها كلما واتته الفرصة لذلك.

وكانت المفارقة أن الكنيسة الأرثوذكسية، التي تتهم عادة بالتشدد، أكثر مرونة، حيث وسعت أسباب الطلاق إلى ثلاثة، بإضافة “الهجر لسنوات”، إلى علتي الزنا وتغيير الملة، وهو ما يعد خطوة إيجابية، بينما الكنيسة الإنجيلية رفضت ذلك.

وبعد مرور أكثر من عام من الحوار واستطلاع الآراء، جاء مشروع الطائفة الإنجيلية للأحوال الشخصية مخيبا لآمال الذين راهنوا على تحرر الفكر الإنجيلي من التشدد، وقالوا إنها بذلك “تعود بهم إلى عصور ولّت، ساد فيها التشدد والجمود”.

إرادة شعب الكنيسة

يصل عدد المنتمين إلى الطائفة الإنجيلية في العالم إلى حوالي 600 مليون نسمة، وتأتي في المرتبة الثانية بعدها الكاثوليك. ينتشر الإنجيليون في الكثير من دول العالم، خاصة الولايات المتحدة وأوروبا ودول الشرق الأوسط، ويشكل الإنجيليون الطائفة الثانية في مصر، بعد الأرثوذكس.

ويمثل الإنجيليون التيار الإصلاحي في المسيحية، ويتسمون بالمرونة والانفتاح، وتزايد عددهم ودورهم بعد الحروب الدينية في العصور الوسطى في أوروبا، احتجاجا على هيمنة رجال الكنيسة الكاثوليكية على الشأن العام، وتشددهم وتحالفهم مع السلطات الحاكمة.

معارضو الكنيسة يرون في رفضها توسيع الطلاق سلفية مسيحية وعودة إلى عصور التجمد الفكري

وأوضح نبيل نجيب سلامة، مسؤول الإعلام بالهيئة الإنجيلية لـ”العرب”، أنه “ليس فقط الكنيسة الإنجيلية هي التي رفضت الزواج المدني، بل رفضته أيضا الكنيسة الأرثوذكسية والكاثوليكية، وكلتاهما رفضتا أيضا توسيع أسباب الطلاق”.

واعتبر سلامة أن الرفض جاء من المسيحيين ككل، أي ما يسمى بشعب الكنيسة، وقال إن الطائفة الإنجيلية تتكون من 18 مذهبا في داخلها، وجميع هذه المذاهب رفضت الزواج المدني.

وأضاف أن “المجلس الملّي الذي يتكون من 18 شخصا يمثلون تلك الكنائس، وأرسل صيغة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمجامع الكنسية، والتي بدورها أرسلته إلى كنائس مختلفة، ثم تم عرضه على شعب كل كنيسة، فجاءت النتيجة بالرفض”.

ولفت المسؤول الإعلامي إلى أن “الرفض أتى من القاعدة الشعبية، وليس من قيادات الكنائس أو رئيس الطائفة، الذين رضخوا واستجابوا للإرادة الشعبية، والتي بدورها تمسكت بنصوص الكتاب القدس”.

ورغم أن بعض القيادات، ومنهم رئيس الطائفة الدكتور اندريه نفسه، قد يكون لهم رأي مختلف، أو يؤيدون الزواج المدني وتوسيع الطلاق، إلا أنه كمسؤول ورئيس للطائفة، يعكس رأي الأغلبية والقاعدة الشعبية.

وقال أندريه إنه في اجتماع مجلس “السنودس” (وهو المجلس الذي يمثل الطائفة المشيخية التي يرأسها)، لم يجد صوتا واحدا مؤيدا للزواج المدني وتوسيع الطلاق، وبالتالي كان عليه أن يترجم إرادة هؤلاء في إطار ديمقراطي، وعندما يريد شعب الكنيسة إقرار الزواج المدني وتوسيع أسباب الطلاق، فإن رئاسة الطائفة والقيادات الكنسية سوف ترضخ فورا لهذه الإرادة.

واعتبر سلامة أن ذلك لا يعكس أصولية، أو تعصبا، بقدر ما هو امتثال لرأي الأغلبية، وفي ذلك قمة الديمقراطية، كما أن الزواج المدني تنتج عنه مشكلات مجتمعية كثيرة، تتعلق بالأطفال وتسجيل ديانتهم في شهادات الميلاد، وأحيانا تختلف ديانة الأب عن الأم، ما قد يؤدي إلى انهيار أسر كثيرة، مع اختلاف ديانة الأبوين، وهذا ما دفع الكثيرين إلى رفضه. وبرر المسؤول الإعلامي رفض المذاهب الإنجيلية باعتبارها أن المرض والهجر كسببين للطلاق ليسا سببين كافيين، فالمرض له علاج، والهجر أمر يصعب إثباته.

مطالب بضرورة إقرار الزواج المدني للمسيحيين في مصر، كما يحدث في كل دول العالم المسيحية

ويبدو أن المعارضين لم تقنعهم هذه المبررات، وأكدوا أن عقليات من يديرون الكنائس تتوغل فيها “سلفية متشددة”، وصفوها بأنها تشبه ما سموه “السلفية الإسلامية”، التي تتمسك بحذافير النص المقدس، والتفسير الشكلي له، دون أي تطوير أو اجتهاد.

وفي نظر القس رفعت فكري، راعي الكنيسة الإنجيلية بمنطقة شبرا (وسط القاهرة)، “الرفض أمر مؤسف للكثيرين، ممن كانوا يعوّلون على قيادتها للإصلاح والتجديد في المسيحية، وعدم التمسك الحرفي بنص الكتاب المقدس”. وأوضح رفعت فكري لـ”العرب”، أنه “محبط بسبب الآلاف من المسيحيين، ممن لديهم مشكلات زوجية، ويسعون إلى الانفصال والزواج الثاني، ويعانون بشكل واضح، فجاء هذا الرفض ليغلق الباب أمامهم بشكل كامل، وبالتالي سوف تستمر المشكلات من دون حل”.

وطالب رفعت بضرورة إقرار الزواج المدني للمسيحيين في مصر، كما يحدث في كل دول العالم المسيحية، وتساءل كيف نتحدث عن ضرورة إقامة دولة مدنية، وفي الوقت ذاته لا يكون للمواطنين الحق في ممارسة حريتهم بشأن الطلاق والزواج؟. ودعا القس الحكومة المصرية إلى التدخل، والسماح بالزواج المدني، من خلال تعيين موظف مسيحي في الشهر العقاري (المكتب الذي يتم فيه تسجيل الزواج والطلاق)، لتسجيل الزواج المدني لمن يريد، ثم ترك الزواج الكنسي بعد ذلك خيارا لمن يرغب.

نتاج البيئة

على عكس ذلك نفى المفكر القبطي، سمير عليش، تجسيد الأصولية في رفض الزواج المدني، وقال لـ”العرب”، إن “ما يحدث هو نتاج للبيئة المصرية الشرقية، فالتشدد والتمسك بنصوص الكتاب المقدس ليسا قاصرين فقط على المسلمين، بل أيضا عند المسيحيين، وهو ما يعكس طبيعة الثقافة المصرية المشتركة بينهما، والتي ألقت بظلالها على المسيحي العادي الذي يعتبر أن التمسك بالنصوص، وعدم تأويلها، جزءا أساسيا من إيمانه وعقيدته”.

ووصف عليش رفض المجامع المسيحية للزواج المدني، ورفض توسيع الطلاق، بما سماه “الأصولية الشعبية المسيحية”، وهي مشابهة تماما للأصولية الإسلامية، واعتبر أن الأصولية في تصاعد مستمر عند أصحاب الديانات السماوية كلهم في منطقة الشرق الأوسط، كما أن الموافقة على الزواج المدني في مصر ترتبط بشكل كبير بدرجة تطور المجتمع وتقدمه، ومدى سيادة قيم الحداثة والانفتاح، وتكريس أسس الدولة المدنية.

وقال خبراء في الشأن المسيحي لـ “العرب”، إن “توسيع أسباب الطلاق، والسماح بالزواج الثاني، لحل مشكلات الكثير من الأشخاص، الذين يعانون، أمر يحتاج إلى مجهود أكبر من رجال الدين المسيحي، وإعمال الاجتهاد، حتى يستجيب الكتاب المقدس لمتغيرات الحياة ومشكلات الأفراد، كما أنه يتطلب دورا للنخبة الدينية في نشر الوعي، وتغيير طريقة التفكير، وهو ما يستدعي مجهودا شاقا على المدى الطويل”.

ويضيف الخبراء أن غالبية المذاهب المسيحية الإنجيلية اتفقت على الرفض، باستثناء مجمع القاهرة الأكثر انفتاحا على الفكر الإصلاحي.

وأشارت كريمة كمال، الباحثة في الشؤون القبطية، إلى أن الطريق ما زال طويلا، ويجب حل المشكلة من جذورها، وبحث الأسباب الحقيقية للطلاق ومعالجتها، واقترحت أيضا مواربة الباب أمام الزواج المدني.

وقالت الباحثة لـ “العرب”، إن “الزواج الثاني لا ينبغي أن يكون مسؤولية الكنيسة، وإنما مسؤولية الدولة، فالشخص الذي ترفض الكنيسة التصريح له بالزواج الثاني يجب أن يلجأ إلى الدولة لإعطائه الموافقة عليه، وأن يكون ذلك في إطار محدود”.

6