الأصولية تغزو معرض باريس للكتاب

الديمقراطية الفرنسية سمحت لنظام الملالي بأن ينشر في معرض باريس للكتاب، رؤية متخلفة ومشينة للمرأة بين أفراد الجالية المسلمة في فرنسا وباللغة الفرنسية.
الاثنين 2018/03/26
الأصولية بلغة موليير لا بفكره طبعا

في كل عام يتعاظم حضور الوجود الإسلامي في معرض باريس للكتاب، تلك بديهية ترسّخت في ذهني وأنا أزوره عاما بعد عام ولكنني فوجئت في طبعة 2018 بظاهرتين جديدتين، أولا: احتلال الكتاب الديني الإسلامي لمساحة معتبرة جدا فاقت كل تصور مع جرأة في عرض مؤلفات أقل ما يقال عنها أنها معادية للعصر وللحسّ السليم. وثانيا: حضور دور نشر تابعة لمنظمات إسلامية متطرفة قريبة جدا من الجهاديين.

لفت انتباهي جناح الجمعية العالمية لأهل البيت وهي ذات اتجاه شيعي وحاضرة بقوة حول المحيط الهندي ولها تأثير كبير وشعبية واسعة في العاصمة الكندية مونتريال المتساهلة جدا مع الفكر الظلامي ومع كل من هب ودب من الإسلاميين، كما يعرف الجميع. يقترح جناح الجمعية كتبا تصب كلها في تعظيم آية الله الخميني والثورة الإيرانية وغيرها من الدعايات التي لم تعد تخدع غير المغفّلين من أبناء الجاليات المسلمة الشيعية والسنية معا.

والعادة كما هو الشأن لدى كل الأصوليين نعثر على كتيبات في مجال أسلمة الأنوثة أو بمعنى آخر “كيف تكونين زوجة مسلمة خاضعة وسعيدة”. وللحجاب أهمية كبرى كما يدل عدد الكتب التي تنظر إلى عدم ارتداء الحجاب كأنه تبرج وخروج عن تعاليم الدين والأخلاق.

وفي وقت يتم فيه نقاش واسع في فرنسا والعالم كله حول ضرورة القضاء على التحرش والاغتصاب ووجوب الوصول إلى مساواة مطلقة بين الرجل والمرأة في كل المجالات، تسمح الديمقراطية الفرنسية لنظام الملالي بأن ينشر رؤية متخلفة ومشينة للمرأة بين أفراد الجالية المسلمة في باريس وباللغة الفرنسية كمثل هذا الكتاب “مكانة المرأة من وجهة نظر الإمام آية الله الخميني”، وهو مترجم وصادر في طهران عن مؤسسة كتابة ونشر أعمال الإمام الخميني ووزارة التوجيه والإرشاد الإسلامي.

ويكفي الاطلاع على الفهرس وقراءة بعض صفحات مما سمي كتاب، لينكشف لنا ذلك الدور البائس الذي يريد أن يؤبده الملالي للمرأة وركنها في الهامش كي لا تفسد إيمان وورع الرجال. ونجد كتابا آخر عن الإمام الخميني تحت عنوان “حكاية صحوة” من إنتاج نفس المؤسسة ونفس الوزارة وبنفس الأهداف التبشيرية، يسرد فيه كاتبه حياة الخميني من مولده إلى موته. كتب مترجمة للغة الفرنسية يبتغى من ورائها نشر الفكر الثيوقراطي والجهادي على الطريقة الشيعية بين الشباب المسلم في فرنسا والسلطات الفرنسية تتفرّج وتدعي مكافحة التطرف والإرهاب الإسلاميين.

جناح الجمعية العالمية لآل البيت يضم كتبا تصب كلها في تعظيم الثورة الإيرانية التي لم تعد تخدع غير المغفلين

ولئن عرضت وبيعت بعض الكتب الإسلامية الضارة الوافدة من الخارج بمناسبة صالون الكتاب فسرعان ما تعود دور النشر التي أنتجتها من حيث أتت، ولكن تتعقّد الأمور أكثر حينما تشارك في المعرض دور نشر إسلامية فرنسية كدار نشر البراق على سبيل المثال.

وهي دار شهيرة تنشر كتبا بالفرنسية أساسا تحت عنوان الثقافة الدينية الإسلامية ولكن يجد المتمعن فيها بدقة أن أغلبها مؤلفات تشجع بطريقة أو بأخرى الشاب المسلم على إظهار اختلافه وانفصاله، إذ تعزز في وعيه ولاوعيه الميل إلى الانعزال ثم معاداة مجتمعه بدعوى أنه مجتمع كافر.

ويقوم كتاب “رياض الصالحين” بهذا الدور على أحسن وجه، فهو يشيّد جدارا إسمنتيا بين الشبان المسلمين ومواطنيهم غير المسلمين ويعلمهم أفضال الجهاد وقد يقنعهم بأن الجهاد واجب على كل مسلم حقيقي.

تكفي المحقق إطلالة سريعة على قائمة الكتب التي تقترحها الدار باللغة الفرنسية على القراء المسلمين على موقعها على الإنترنت ليقف على الأضرار التي قد تخلفها في أذهان شبان وشابات في بحث عن هوية وبعد روحي ومحاولة إيجاد توافق بين إيمانهم وعصرهم.

ولكن هل يلبي تلك الحاجات مؤلف الإمام أبوحامد الغزالي “كتاب النكاح وآداب اللقاء بين الزوجين” المعروض والذي لا تجد النساء بين دفتيه سوى أوامر بالخضوع ووجوب الاعتراف بالدونية؟ ونفس التساؤل مشروع بالنسبة لكتاب “حصن المسلم” لسعيد بن وهف القحطاني، الذي لا هدف له سوى وضع سياج بين المسلم وعصره وتأبيد وجوده في الماضي في زمن ما قبل العلم والحرية، وكتاب نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم “حزب الله المنهج، التجربة، المستقبل” وكتب طارق رمضان الداعي إلى استيراد فكر الإخوان المسلمين وبعض تسجيلات دعاة يسبحون خارج العصر.

وتنفرد دار البراق بنشر سلسة من الكتب للحاج عليوان مباكي، واسمه الحقيقي ديديه هامونو، وهو كاثوليكي فرنسي سابق اعتنق الإسلام وأصبح ملكا أكثر من الملك وراح يحاول أن يثبت من نص لآخر أن جذور فرنسا إسلامية. ولا عجب إن قرأ شاب مسلم كتابه “الجذور الإسلامية لفرنسا” أن يحاول إعادة أسلمتها وعن طريق كل الوسائل.

ما هو مضحك ومبك معا ذلك التقديم الرسمي الذي قدمت به دار البراق نفسها في موقع المعرض: “تعمل دار البراق على مصاحبة البحث الروحي لقرائها انطلاقا من ذكاء القلب وإسقاط جدران وعوائق عدم الثقة والأحكام المسبقة وعدم المعرفة، من أجل إرساء فضاء تعبير حقيقي وصادق”.

من الطبيعي جدا أن يتساءل كل زائر للمعرض مناهض للفكر الظلامي عن ذلك التساهل المريب الذي جعل بعض دور النشر المشبوهة تشارك في المعرض وحصول بعض المطبوعات على حق الدخول إلى فرنسا المكتوية بنار الإرهاب وعرضها للبيع في الصالون.

13