الأصولية والسلطة

بقايا الفئة الأصولية السلفية التي تزعم الاعتدال والوسطية، لازالت تكابر وتخوض معركتها الأخيرة. ومن أين تنطلق ومع من تتحالف؟
الأحد 2018/03/04
"داعش" يلفظ أنفاسه الأخيرة ولم يترك للمسلمين سوى قبور ضحاياهم

للمرء أن يؤمن كما يشاء، إن كان ما يؤمن به دينا أو أيديولوجيا سياسية، أو كلاهما. وليست الجماعات والأحزاب الدينية وحدها هي التي ترفض الآخر، وإنما كل سلطة مستبدة، تنطوي على أي أيديولوجيا أو يشغلها هاجس الوصول إلى السلطة وإقصاء الآخرين.

لكن أخطر المستبدين هم الذين يقتطعون لأنفسهم جزءا من المقدس ويستبدون باسمه، ويصدقون أنهم من نسيجه، وإن طُرحوا أرضا، يمتشقون المقدس نفسه في وجه من أطاحهم، ويصوغون به مظلومياتهم. فهؤلاء لو تمكنوا من السلطة سيكونون أعتى استبدادا.

المشكلة هنا تتعلق بالقناعة، بالتنوع وقبول الآخر. ولا يختلف اثنان على أن الأصوليات المسيحية والإسلامية في التاريخ اعتمدت العنف كقوة إكراه، ومن أبرز العناوين المبكرة لهذه الحقيقة، محاكم التفتيش في أوروبا، والفتنة الكبرى في صدر الإسلام، وبعدئذ الصراعات داخل المسيحية وداخل الإسلام.

في الفضاء الإسلامي، يمكن القول إن الأصولية العنفية، التي فتكت بالوئام الاجتماعي العربي الذي تحقق في مراحل مناهضة الاستعمار؛ قد وصلت في العقود الأخيرة إلى ذُراها وإلى حدودها التاريخية، بشكليها: المتطرف العنفي الذي مثلته “القاعدة” ثم “داعش” وشكله التنظيمي الاجتماعي الذي يزعم الاعتدال والوسطية جهارا ويعتمد العنف في الخفاء. الآن يلفظ “داعش” أنفاسه الأخيرة ولم يترك للمسلمين سوى قبور ضحاياهم وانفتاح بطون الأوطان للمستعمرين القدامى والجدد.

أدعياء “الاعتدال” بدورهم سقطوا لأنهم تجاهلوا معنى الدولة وتغاضوا عن ضرورة التنوع والقبول بالآخر، فأصبحوا اليوم إما ضيوفا على بلدان المستعمر وإما في السجون، وإما حلقات راغبة في الخلاص، جاهزة لإظهار مراجعاتها وطواعيتها لمحددات الدولة وشروط استمرارها.

بقايا الفئة الأصولية السلفية التي تزعم الاعتدال والوسطية، لازالت تكابر وتخوض معركتها الأخيرة. ومن أين تنطلق ومع من تتحالف؟ مع بلدان علمانية أو تقليدية، تعتمد هي نفسها التنوع في الاقتصاد والثقافة والتحالفات لكنها في السياسة تستخدم “الجماعة” لهجاء الآخرين، لضمان نفوذها وحل إشكالاتها، وهذه بالطبع، لا تحكم بما أنزل الله، ولا ترضى لنفسها الأنموذج الذي تحاول الجماعة تطبيقه في بلدها، وهي على علاقة مع إسرائيل.

هنا تتجلى مقولة الإمام محمد عبده، قبل نحو قرن، عندما قال “إن دينا، كنت أرجو صلاحه، أحاذر أن تقضي عليه العمائم”، أو إن شئنا نعود إلى مقولة الإمام علي، كرّم الله وجهه، الذي قال في وصف الخوارج “إنما القرآن خط مسطور بين دفتين لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال”. أما الرجال الذين يقصدهم، كما عبّر في مواضع أخرى، فإنهم رجال التقوى والعدل والوئام.

24