الأصوليّ أمام اختبار جسد المرأة

الثلاثاء 2015/02/03

كيف نميز بين الموقف الأصيل والموقف المزيف؟ كيف نميز بين الصدق والخداع؟ كيف نميز بين الوجه والقناع؟ الإجابة العملية أن ننزع القناع عن الوجه، ننزعه بالقوّة إن اقتضى الأمر. لكن، قد يكون هذا الإجراء مؤلماً في بعض الأحيان. وربّما يثير صراخ الألم شيئاً من القسوة أو يبعث على الشّعور بالذنب. فهل من حل آخر؟

ربما.. نترك القناع يسقط من تلقاء نفسه، ثم لا بأس بأن نثيره ونستفزّه قليلا أو بكل الوسائل. وهي لعبة أخلاقية لغاية كشف القناع عن الوجه الحقيقي للإنسان، لعبة تتقنها النساء الذكيات. لذلك، عادة ما تعدّ انطباعات المرأة معياراً كبيراً.

وأحيانا يكون انكشاف جسد المرأة في حد ذاته اختبارا كافيا لقياس عقلانية الرجل. ماذا أقصد؟ هناك مثال شائع، بعض الأصوليين يبدون قدرة على الكلام بأسلوب عصري ولغة حداثية، ثم سرعان ما يفاجئونك في مقام آخر، وعلى حين غرّة، بأنه لا يختلفون عن السلفيين سوى في المظهر.

قد لا يتعلق الأمر بمجرّد القدرة على التقية والكتمان، لكننا نفترض أيضا بأن بعض الأصوليين المقنَّعين يحاولون التخفّف من بعض أو جل أثقال الموروث الفقهي، رغبة في العيش الآمن على الأقل، ثم سرعان ما يخفقون في أول أو ثالث اختبار. هل ترانا نسايرهم إلى غاية الاختبار الثالث على طريقة “اتبع الكذاب إلى غاية الباب” كما يقول المغاربة؟ في كل الأحوال لم تثبت التجربة إلى حد الساعة، بأنّ أحدا من أولئك أنهى لعبته بسلاسة وسلام. التسوية هنا صعبة، وحبل الكذب قصير مهما طال الأمد، والجهد النفسي لتجاوز الموروث الفقهي مؤلم مثلما هي مؤلمة تجربة الفطام، لكن التجاوز ضروريّ أيضاً. غير أننا لا نملك من وسائل التنشئة الاجتماعية ما يكفي، وتعوزنا الرّؤية الإصلاحية العميقة. لذلك، لا أحد يصمد طويلا في منطقة وسطى لا تتوسّط أيّ شيء.

ولنكن صرحاء، فإنّ الإنسان عندنا لا يجد ما يكفي من الزّاد لقطع الطريق الوعر والممتد من واحة البداوة إلى ساحة التمدّن. لذلك، ينهار معظمنا أو يصيبه الخرس. وأحيانا قد يساورنا الشك في أنفسنا فنعيد طرح السؤال: هل نحن حداثيون في وجداننا أم أن التمدّن عندنا مجرّد قناع؟ ألسنا متخلفين في مستوى الأمزجة والانفعالات؟ وإذاً عن أي حداثة نتحدّث؟ لكن، أليست الحداثة نفسها مقاومة متواصلة للتوحش الذي يقبع داخل شخصية كل إنسان لمجرّد أنه إنسان؟ نعم، حين تضعف إرادتنا في الوقوف فإنّنا سرعان ما نسترخي وننهار، لأنّ الأصل أن نكون في حالة استرخاء وانهيار. وكذلك هو الوجود فإنه ليس سوى مقاومة للعدم الذي هو الأصل، إنه الأصل والمآل منذ الأزل. وعلى نفس المنوال ليس التمدّن سوى مقاومة للبداوة التي هي الأصل السابق على التمدّن، وهي في حالتنا الإسلامية الأصل الذي لم نبرحه بعد. والآن، عود على بدء، كيف نميز الوجه عن القناع؟ بالفعل، هناك امتحان هو الأصعب أمام الأصولي صاحب القناع الحداثي. هذا الامتحان هو المرأة بجسدها وصوتها وحضورها.

لكن، لا بد من شرط إضافي. ما هو؟ هل تذكرون وصية أفلاطون: علينا أن نبعد النفس الغضبية عن الحياة السياسية؟ ليتنا نكتب هذا على أبواب مدننا: الغضب يفسد السياسة. يقال، لكل واحد شيطانه، نضيف، إن هذا الشّيطان يظهر في حالات الغضب. لذلك، حين يثار غضب الأصولي صاحب القناع الحداثي فإنّ أوّل ما يفعله هو أن يصبّ جام غضبه على المرأة، على جسد المرأة تحديداً. لعل جسد المرأة كان ولا يزال الاختبار الأصعب أمام الأصولي المقنّع. لذلك ليس مستغربا أن يكون موضوع المرأة، جسد المرأة على وجه التحديد بمثابة العقدة المركزية لدى العقل الأصولي بكافة تلاوينه. إنه العقل المتمركز حول الانتصاب، و”فروة اللحية”، والغيرة على “إناث القطيع” إلخ. سيزعم الأصولي المقنّع بأنّ هذا الكلام مجرّد جزئية هامشية. وإن كان يساريا سيقول: المهم هو القضاء على الفقر، الأهم هو التوزيع العادل للثروة، والأكثر أهمية هو النهاية السعيدة للصراع الطبقي، إلخ. وإن كان ديمقراطيا سيقول، المهم هو التداول على السلطة، الأهم هو الانتخابات، الأكثر أهمية في التعددية في الآراء والمواقف، إلخ. وفي كل الأحوال يبقى الموقف من جسد المرأة إما مسألة ذوق شخصي أو قضية ثانوية أو مؤجلة حتى إشعار آخر.

نرفض هذا التمويه ونقاومه بشدّة ونقول: جسد المرأة ليس مجرّد كتلة من اللحم البشري، إنه رمز الأنوثة في كافة أبعادها الوجودية والجمالية؛ إنّه قوة الحياة التي تسري بين ثنايا الكلمات والأشياء، إنه المتعة، والبهجة، والرّغبة، والليونة، والنّعومة، والرقّة، والإبداع، إنّه التمدّن في أصدق وأعمق مظاهره. لذلك كان الموقف من المرأة دائما يعدّ موقفا من الحياة.

كانت العرب قديما تعتقد بأنّ الجنيّ الذي يسكن معظم الشعراء جنيّ أمرد، بمعنى يغلب عليه طابع الأنوثة. لذلك، طبيعي أن يقترن تحريم ظهور جسد المرأة بتحريم الإبداع والفنون الجميلة والموسيقى والرّسم والنحت، وصولا إلى تحريم الحياة نفسها، واستعداداً في آخر المقام لقيامة الموت زحفاً مهيباً خلف رايات سود يحملها جيش “المؤمنين”، وحجابا أسود يحجب نساء “المؤمنين”، وظلاما كئيبا يُسَوِّد حياة ملايين “المؤمنين” إلى يوم الدين.

21