الأصولي وعدوّه، صورتان في إطار واحد

الأحد 2014/05/25
أميركا ليست هي أميركا، بل هي «صورة» في ذهن الأصولي، صورة مدنسة، صورة «العدو الصليبي»

أحد المداخل للإجابة عن تساؤل من هو الأصولي، هو في الإجابة، أولاً وقبل كل شيء، عن تساؤل من هو عدو الأصولي. إذ ليس للأصولية وجود ما دام العدو غير موجود. يحتاج الأصولي العدو، حاجته إلى الإحياء. وطالما أنّ الأصولية تعتمد في تكوينها الجوهراني ثنويةً مانوية، فإنها لا تعتمد العدو بكونه مصدراً لهجومها فحسب، وإنما كذلك العدو بكونه الصورة التي تهيكلها من داخلها: تهيكل مقولتها الثيولوجية والثيو-بوليتيكة من خلالها. لهذا، فالأمر أبعد من مجرد أنّ الأصولية تتقاسم الوجود مع العدو. إنّ صورة العدو هي كذلك، وبنفس الوقت، صورة الأصولية. هل يمكن توقع وجود أصولي من غير عدو؟ هذا لا يمكن توقعه على الإطلاق، وإلا ينتفي وجود الأصولي نفسه. وبكلمة، إنّ وجودها مرهون بوجوده. لكن، ورغم ذلك، يبقى الإشكال: من هو هذا العدو؟ وكيف تُبنى صورة العدو؟ هذا ما سنحاول في هذه العجالة إلقاء الضوء عليه سريعاً.


خير وشر


يعتمد الأصولي في تكوينه النظيمي على أسس تكوينية ثلاثة في بناء صورة العدو: أولاً، تقسيمه المانوي للعالم إلى فضاءين (خير/ شر، إيمان/ كفر، مقدس/ مدنس…الخ). وهذا تقسيم رمزي، مخيالي، يبتعد عن الفكر التاريخي، من جهة، ويتخذه كأساس في تنظيره الإحيائي من جهة أخرى: كلما تكثفت في نظيمة الأصولي صورة العدو وألبست بلباس الكفر، كلما قوي في هذه النظيمة مطلب الإحياء، وبالتالي الارتداد وراءً. ليس التاريخ هنا في فكر الأصولي خطاً أفقياً، بل هو خط دائري، إنه خطٌّ تحكمه ارتدادية الانبعاث من خلال العود إلى زمن الأصول، (إذا ما استعرنا كلمات مرسيا إلياد) ومن ثمة إحياء هذه الأصول. لكن، من المستحيل التفكّر في هذا الإحياء، من غير الأخذ بعين الاعتبار القوة الدافعة له، أي التدنيس والابتعاد عن طهرانية زمن الأصول. وإذا ما وقفنا قليلاً عند نقطة ما يعنيه هذا التدنيس لوجدناه يعني، وبكلمة: «التاريخ»، لحظة الأصولي المدنسة التي يتظاهر ضدها. إنه ضد اللحظة التاريخية، إنّ عدوه هو التاريخ.

لا شك أنّ هذا الكلام يأخذ طابعاً عمومياً كبيراً ولا يحل الإشكال. لكن لا بد من الاعتراف به وتسجيله. إنّ عدو الأصولي في العمق هو ما يتخيله أنه ضد الطهرانية. ومسيرة التاريخ الإنساني تشهد على ذلك: طالما أنه هناك تاريخ، فهناك إحيائيون ضده، يبغون العودة به إلى الوراء، إلى لحظة الخلاص الأصيلة. مؤخراً تخيل الخميني أنّ الزمن انقبض على نفسه في إيران، وإذ به يعود إلى الوراء ليتخيل عصر الطهرانية، وأنه نفسه، لا غيره، هو الموكل ببعث تلك الطهرانية، فأنتج مخلوقاً غريباً سماه «الجمهورية الإسلامية». لا شكّ لو كان الخميني متصالحاً مع التاريخ لما أنتج ذلك المخلوق وتلك الخلطة الاستثنائية. لكنّ التاريخ في ذهنية الخميني هو العدو: العدو الذي يجب أن يقاوم بالعودة إلى الوراء

هل يمكن توقع وجود أصولي من غير عدو؟ هذا لا يمكن توقعه على الإطلاق، وإلا ينتفي وجود الأصولي نفسه

.


صورة العدو


هذا فعل مخيالي يحتاجه الأصولي. إنّ التاريخ، رغم العداء له، لا يُتصور بشروط التاريخ، بل وفق الآليات الذهنية للأصولي نفسها. هكذا، فكل ما يندرج تحت التاريخ أو ينتجه التاريخ من قضايا هم من الأعداء. لكن، وبسبب مخيالية الأصولي، إنهم أعداء لا يدلّون على أجسام أو جهات محددة. إنهم أجسام مخيالية يكوّنها الأصولي بحسب متطلباته الإحيائية ولحظته السياسية التي يعيشها إذا كانت أصوليته من النمط الثيو-بولوتيكي (وغالباً ما ينتمي الأصوليون إلى هذا). أميركا ليست هي أميركا، بل هي «صورة» في ذهن الأصولي، صورة مدنسة، صورة «العدو الصليبي». وكذا الأمر، المسلمون ليسوا هم المسلمون وفق شروطهم، بل هم «الوثنيون»، كما عبر أحد المتطرفين الأصوليين ويليام بويكين William G. Boykin. ومثل هذه الصور نعهدها في معظم الأصوليات على أية حال، لكن ما ينبغي الالتفات إليه هنا، أنّ العدو ليس هو العدو وفق شرطه، بل وفق شرط الأصولي المخيالي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، العدو ليس صورة ثابتة، بل هو صورة متحركة في ذهنية الأصولي (أحد الأسباب لهذا هو ميوعة وسيولة الذهنية الأصولية). هذا هو تبرير لماذا نجد اختلافات هائلة في تصوير العدو داخل الجهة الأصولية الواحدة.


تقديس وتدنيس


الناحية الثانية التي يعتمدها الأصولي في بناء صورة العدو، تقع في إشكالية النمط الجماعاتي الأصولي الذي يعتمد على نمطية داخل وخارج الحظيرة الأصولية In-Group and Out-Group. معظم الأصوليين يعتقدون بأنفسهم أنهم جماعة صغرى أو بالأحرى «أقلية»، أقلية خلاص على خشبة المسرح العالمي المدنس؛ وما الأكثرية سوى الغرباء عن هذا العالم: سوى الأعداء. من ينتمي إلى هذه الجماعة هم المخلصون، في حين كل من يقع خارجها ينتمي إلى الكفر. إنّ الأصوليين، هم الموكّلون، لأنهم الطاهرون والطهرانيون، في تخليص كل الجماعات التي تقع خارجهم، أي تخليصهم من كفرهم أو حتى تخليص العالم منهم.

أما الناحية الثالثة التي يعتمدها الأصولي في بناء صورة العدو، فهي تقليص الشقة بين المقدس والمدنس. ليس هناك في عالم الأصولية مسافة بعيدة جداً أبعد من المسافة التي تفصل المقدس عن المدنس. لن ندخل الآن في مفهمة هذين المفهومين كما هما في سياق ذهنية الأصولي، بيد أننا نود لفت الانتباه إلى أنّ الأصولي يرى في «الوجود» ما لا يراه غيره: إنه بـ «الأصل» وجود طاهر، وما الخروج عن هذا الأصل سوى الغرابة، سوى العداء للأصل، وبالتالي إنتاج المدنس. لهذا نجد أنّ الأصولي دائم السعي لـ «غزو المدنس» وإرجاعه إلى الطاهر الأصل، حتى ولو احتاج الأمر إلى استخدام العنف. ولأنّ الذهنية الأصولية إطلاقيةٌ لا تقوم إلا بـ«تصوّر» وجود «عدو» متربص بهم دائماً، يتجه نظر الأصولي إلى ذلك الآخر العدو: «الغرب»-الحداثة؛ ولا سبيل لمجابهة هذا العدو (ولا ننسى أنه مخيالي، مُعاد خلقه) إلا بالرجوع إلى مخيال آخر، مرسوم كذلك في هذه الذهنية، أي: الماضي المخيالي، لا بشروطه، بل بشروط الأصولي، الماضي المعاد خلقه وفقاً لبرادايمات تلك الذهنية. إن كره و«تدنيس» الغرب، يُغذى بإرادة إعادة «تقديس» الماضي (وبالعكس).

ليس هناك في عالم الأصولية مسافة بعيدة جداً أبعد من المسافة التي تفصل المقدس عن المدنس


اختلاف الصور


في عالم السياسة، وفي كثير من الأحيان، نجد أنّ العدو يُصنع صناعةً، ولا يُشكّل أمراً جوهرانياً في نظيمتها؛ وغالباً ما يكون الهدف بغية تحقيق مآرب سياسية. وحالما تتحقق هذه المآرب، تنتفي ضرورة وجود العدو. لهذا، لا غرابة أن تتخذ صفة العدو صفة الطارئ والعرضيّ، لا التكويني. «أصدقاء الأمس، هم أعداء اليوم» من الجمل الشهيرة التي تعبر عن المسار السياسي الذي يطبع سياسة الولايات المتحدة الأميركية مع «بعض» الخصوم/ الأصدقاء السياسيين لها. وهذا لا إشكال عليه على الإطلاق، طالما أنّ صورة العدو تنحصر على الصعيد السياسي البحت، والذي يسيّره، أكثر ما يسيّره، المصالح. بيد أنّ الإشكال هو ما إذا كان يقف خلف السياسية أو التي يسيرها أصوات ثقافية أصولية. حينها سيغدو الوضع معقداً جداً، ومن الصعب الإحاطة به أو تفكيكه، وبخاصة في حالات أصولية خرجت نتيجة اندماج الدين العام أو الدين المدني في تكوين دستور وعمل السياسة. وهذا أحد الأوجه في عمل الأصوليات في الولايات المتحدة الأميركية، بعكس الوضع اللائيكي في فرنسا تماماً.

وأخيراً، ربما تمكن ملاحظة أنه بمقدار ما تتغير صورة العدو داخل الأصولية الواحدة، بمقدار ما تختلف صورة العدو عند الأصوليات المتعددة بحسب الحواضن الثقافية التي خرجوا منها. كيف تكون الدولة عدواً في مجال أصولي ما (الإخوان المسلمون في سوريا ومصر)؟ وكيف تغدو الدولة في سياق آخر، لا صديقة للأصولية فحسب، بل كذلك تغدو الدولة مجالاً لعمل الأصولية، أي عمل الأصولية من داخل نظيمة الدولة (الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة الأميركية)؟ كيف يغدو سياق ثقافي ما عدواً للإحيائي، الذي هو بالأصل جزء منه (أيضاً الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة الأميركية في أوائل القرن العشرين، والأصوليون المسلمون في هجومهم على «ثقافة التقليد») بسبب ما يقولون إنه تلوث الثقافة بالحداثة والليبرالية؟ أين يمكن أن نعثر على جواب هذه الأسئلة: إنه، وبكلمة، في «الثقافة» التي خرج منها الأصولي، لكن هذا حديث آخر.


* كاتب سوري

11