الأطفال العرب: القارة الضائعة

الأحد 2013/09/15
الكتابة العربية للأطفال كارثة فكرية

نحن العرب نناقض أنفسنا كثيراً، نتحدث عن الشاعر من طراز نزار قباني، بصفته طفلاً كبيراً، وعن الموسيقار من طراز موزارت بصفته طفلاً ساخراً، وعن تشكيلي مثل ميرو الإسباني بصفته تلميذاً أبدياً في قاعة رسم للأطفال.. وعندما نأتي إلى الكتابة للاطفال، نسجن أنفسنا في أناشيد مدرسية سقيمة، ونماذج قصصية تلقينية مملة.

يوجين يونسكو صاحب التجارب الطليعية في مسرح العبث، لديه قصص للأطفال هائلة في جمالها وعبثيتها الطفولية؟ قصص غير تقليدية أبدا، قصص تليق بالأطفال، بأرواحهم الحرة واستعداداتهم الخلاقة للانفتاح على الطرائف واللطائف والجمالات التي يذخر بها الوجود، وتنعم بها النفوس غير المشوهة. ويحملني هذا المثال المتطرف على الإشارة إلى مثال أقل تطرفا، رغم مساحة الخيال الهائلة التي تطبع أدبه ونماذجه التي قدمها للأطفال، أنطونان دو سانت أكزوبري، الطيار الفرنسي الذي كتب "الأمير الصغير" أيقونة قصص الأطفال في العالم لما بعد الحرب العالمية الثانية، والكتاب الأكثر مبيعا في العالم بعد الكتاب المقدس.

وقد كتبت بلغة رشيقة، أفصحت عن قدرة غير مسبوقة في تفجير دهشة الطفولة في صياغة قصصة جذابة ومبتكرة حتى إنها لتصلح لا للأطفال وحدهم، وإنما للقراء من كل الأعمار.

الكتابة، بهذا المعنى، هي المغامرة. وكما في الشعر، كذلك في الكتابة للأطفال، أن تقودك المغامرة مع اللغة إلى كتابة قصص يصعب تصنيفها. أهي للأطفال حقاً؟ نعم للأطفال.. ولكن من هم الأطفال؟ هل هم فقط الصبيان والبنات الذين واللواتي تتراوح أعمارهم ما بين 4 سنوات و14 سنة؟

أظن أن هذا التعريف بليد بعض الشيء. ورغم أن الفئات العمرية، هي فئات معتمدة من قبل من يسمون بكتّاب الأطفال المحترفين، وفي ثقافتنا العربية، لدى هؤلاء الكتاب قاموس محدد يلتزمونه أثناء الكتابة كوصفة العطار.

والواقع أن الكتابة الإبداعية من طبيعتها أن تتمرد على هذا التصنيف، وتلك الوصفة، وكل تصنيف أو وصفة يأسران المغامرة الأدبية، ويحدان من حرية اللغة وسيرورتها المتدفقة كنهر في غابة. المغامرة الإبداعية من طبيعتها أن تأبى الانصياع لهذه الخطة، وبدلاً من ذلك تقترح على الطفولة أن تحتل مساحة أوسع من مساحة عمر الكائن.


الكتابة الجميلة


أتذكر الآن مارسيل إيميه، وقصصه الفرنسية المدهشة للأطفال، وقد قرأتها في سنوات اليفاعة، بترجمة حسيب كيالي، وابتهجت بها. مع هذه النماذج الأدبية المبكرة، لم تختلف متعتي وأنا منسحر بطرافة تصوير الكاتب لسلوك قط مميز يتحرك داخل غرفة أو يلوذ بالنافذة، يتأمل حركة أغصان شجرة، أو بينما هو عند بئر البيت القروي يفرك قائمتيه فيهطل المطر، أقول لم تختلف متعتي مع بطل مارسيل إيميه هذا عن متعتي وأنا أسافر مع دون كيخوته بطل رائعة سرفانتس وهو يقاتل طواحين الهواء.

طرافة باعثة على السعادة والضحك. مذ ذاك، ومع هذه الصور الساحرة والنافذة بتأثيرها تطور لدي وعي جمالي يجعلني أرى أن الكتابة الموجهة للأطفال هي تلك التي يمكن أن تتيح لقارئها فرصة أن يستلقي ويقرأ، أن يسترخي وهو يقرأ، أن يكون أكثر عفوية وحرية وانسجاماً مع نفسه، وكذلك مع العالم الجمالي، أو لنقل مع قيم الجمال والحرية والطرافة واللطف في العالم.

هل ينطبق هذا التوصيف، وهذه الخصال الكتابية على الكتابة العربية للأطفال؟ للأسف، لا.. فهذا الجنس السردي ظل في نظري ونظر آخرين أدبا فاشلا، رغم ثراء الثقافة العربية بالحكايات والسرود والكتابات الخرافية والطريفة العامرة بالمفارقات، من حكايات "كتاب التيجان" وحتى أيقونة ابن طفيل "حي ابن يقظان" التي ألهمت دانييل ديفو رائعته "روبنسون كروزو".

على أن الكتابة المعاصرة للأطفال العرب، بدءا من تجربة كامل الكيلاني الذي كتب عشرات القصص بينها قصته الممتعة "حذاء أبي قاسم الطنبوري" ويعتبر عندي بين أفضل من كتب للأطفال عربياً لم تستطع- كما لم يستطع هو أيضا- أن تفجر مخزون اللغة العربية وآدابها القصصية القديمة، وظلّت مفهوماتها للكتابة محبطة للخيال الطفولي.

إن المخزون الشعبي العربي من القصص هو من الثراء إلى درجة تجعل المرء يحار في علة افتقار ثقافتنا العربية إلى أدب للأطفال يرقى إلى ثراء هذا المخزون القصصي الساكن في الذاكرة الشعبية للعرب. العلة، إذن، في المفهوم قبل الصيغة الأدبية، وفي نمط التفكير قبل الفكرة أو الكيفية.

ولعل أعظم دليل على القيمتين الفنية والإنسانية الكبرى لهذا المخزون الشعبي، والتراثي من القصص. أن قصة "ملابس الامبراطور" للدانمركي هانس كريستيان اندرسن، والتي تعتبر، بدورها، إحدى أيقونات أدب الأطفال، وأمثولة عالمية من الدرجة الأولى، هذه القصة وصلت إلى الدانمرك عبر كتاب إنكليزي ضم ترجمات لقصص شعبية من الشمال الإفريقي، فهي بتمامها وكمالها حكاية شعبية مغربية. قبل أن تكون قصة في كتاب أندرسن.


ثقافة أبوية


في ثقافة لم تتخلص من بطرياركيتها، ليس لدى البالغين ما يهدونه للأطفال سوى التعاليم المتنزلة من أعلى إلى أدنى. لكن هذا شيء مؤسف حقا، في عالم بات للطفل فيه حقوق واسعة، وحضور شخصي متعاظم، ووسائل للتعبير طفولية متعاظمة عن الذات. بينما تزداد الفجوة بين العرب وأطفالهم، سوء فهم مستمر، تسنده مفهومات بالية.

مؤخرا وقعت على كتاب صنعته فتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة، بريطانية من أب عربي وأم إيرلندية كتبت قصة بديعة ورسمت رسوما رائعة، وأخرجت الكتاب بنفسها. ولو وقعت عين ناشر على هذا الكتاب لظن وراءه رسامة وكاتبة محترفة.

أتخيل الآن، أن لا خلاص للأطفال العرب، في ظل الجدب والبوار الذي يضرب أرض الكتابة العربية وسماءها إلا بالكتابة لأنفسهم. أفضل من يمكن أن يكتب للأطفال العرب هم الأطفال أنفسهم، لكن قلة من الأطفال يملكون الصبر الكافي، والحنكة، والخبرة لإدارة العلاقة مع اللغة.. لذلك هم يستعينون بنا لنكتب لهم القصص التي يحبون.

لكننا نكتب لهم ما نحب نحن، ولا نكف عن خذلانهم. نادرا ما راقبت طفلا يقرأ قصة موجهة إليه من كاتب عربي ووجدته راضيا.. لطالما كان لدى الأطفال استياء من فكرة أو حركة أو موقف أو خلاصة. فكاتب الأطفال يتعامل معهم على أنهم صغار عقل، بينما هم أكثر نباهة وانفتاحا على العالم، ومخيلاتهم أوسع وأنضر وأكثر جرأة ومغامرة.

وهذا يحملني على طرح السؤال، ترى لم نحن نفزع من فكرة اكتشاف الأطفال الحقائق الصعبة؟ لماذا نخاف من وعي الأطفال؟ لماذا نضطرب أمام طلاقة مخيلاتهم؟ لماذا نريدهم أن يكونوا أقل من إمكاناتهم؟ لماذا نخاف عليهم من حرية التفكير، لماذا نحرمهم من طلاقة الخيال، من المغامرة الجمالية، من استدعاء ما يخطر في بالهم بعفوية وطلاقة، ومن التعبير بحرية عما يجول في خواطرهم؟ لماذا نحجِّم عقولهم وخبراتهم ونأسر تجاربهم في كيان معوق، معتقدين أنه حجم الطفولة؟ ليس ثمة ما يمكن أن يحد من خيال الطفل أكثر من تربيتنا الركيكة الخائفة على الأطفال ومنهم.


تجربة واكتشاف


عام 1984 قمت باختبارات متنوعة جمالية وتعبيرية وفكرية مع نخبة من الأطفال العرب، كان ذلك في قبرص، والأطفال كانوا عراقيين وفلسطينين وبحرينيين وسوريين وتونسيين ومصريين، ولبنانيين، تتراوح أعمارهم ما بين 3 سنوات و13 سنة وكان هؤلاء جلهم من أبناء المهاجرين والمنفيين الذين وصلوا إلى قبرص لاجئين على إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان وخروج المقاومة الفلسطينية من بيروت عام 1082.

التجربة التي استمرت نحو ثلاثة أشهر كانت مفيدة لي، لاسيما أن هؤلاء الأطفال جميعهم عاشوا في بيروت وشهدوا أعمالاً حربية، وبعضهم واجه القصف والخراب والموت، وعاشوا، هم أنفسهم، خبرات صعبة أكبر من أعمارهم. والنتيجة. أعمال فنية وأدبية: رسوم وقصص وقصائد كتبها الأطفال أنفسهم، وفي ما يخصني دفتر ملاحظات ضخم يتعلق بمحاوراتي مع هؤلاء الأطفال، وملاحظاتي عن تفكيرهم وتصرفاتهم وطرائق التعبير لديهم في حالات مختلفة.

كل هذا أفضى بي إلى الخلاصة التالية: لا أستطيع أن أكتب للأطفال بالمجازفة التي كنت أفعل بها من قبل. لا أستطيع أن أفكر فيهم بخفّة، ولا أقبل شيئا شبيها بهذا من أي كاتب للأطفال. كانت الأشهر القبرصية الثلاثة معهم، في فضاءات مفتوحة وأخرى مغلقة، مدرسة حقيقية لي لأتعلم منهم، والأهم مدرسة لأتوقف عن الكتابة لهم، بالطريقة التي كنت أفعل من قبل، وأفتش عن صيغ جديدة للكتابة أكثر قرباً منهم، أو على الأقل، أقدر على الاستجابة لما أتاحت لي خبراتي الجديدة معهم من معرفته واكتشافه من العالم النفسي والشعوري الغامض الذي نسميه عالم الأطفال.

ومن أبرز ما علمتني إياه تجربتي مع هذه الكائنات الطفولية، أن أحترم صمتهم، فهو صمت يذخر بالطاقة والأفكار والتساؤلات الخلاقة. إنه صمت عامر بالدهشة، والذكاء الفطري، والحواس الحرة التي لم يطأ أرضها مكتشف، وأن أكتشف، بالتالي، سبلاً لأخرجهم عن هذا الصمت، وأنصت إليهم وهم يتكلمون.

الأطفال هم القارة الضائعة، إنهم «أطلنطا» الوجود الغارقة في قيعان العالم. وهم بالتأكيد الفردوس الذي سيبقى ضائعاً إلى أن نحررهم من أوامرنا وقيودنا وأوهامنا ومقاييسنا المستبدة. إذ ذاك يظهر هذا الفردوس إلى النور. تجربتي تلك مع الأطفال جعلتني أتوقف عن الكتابة لهم أكثر من 20 عاماً.

الكاتب العربي للأطفال، باستثناء ندرة الندرة، هو ذاك الذي يصطاد بضعة حيوانات ويسوقها إلى قصته وهناك يُنطقها ما يريد المجتمع أن يلقنه للأطفال، فهي غالبا ما تكون، ناطقا اجتماعيا سقيما، معلما مملا يستكمل بمواهبه الشاحبة سلطة المدرسة، بحكمة مزيفة وحاجبين مقطبين. في الثقافة العربية كاتب الأطفال هو الاسوأ.

11